بسم الله الرحمن الرحيم

الصلاة من أجل إخوتنا في فلسطين .... هل هي بدعة؟؟


شيخنا الفاضل
في الفترة الماضية كانت دائما تصلنا رسائل على البريد الالكتروني يطلبون منا الصيام يوم - معين - والصلاة والقيام في ذلك اليوم من أجل نصرة إخوتنا في فلسطين ، من باب الحث على الدعاء والتواصي بالحق .
فهل هذا بدعة ؟؟ أن نتفق مجموعة كل منا يقوم في بيته في ليلة معينة ندعو بما ورد في الكتاب والسنة ؟؟؟
أفيدونا بارك الله فيكم ونفع بكم .

الجواب :
 بورك فيك أختي الفاضلة ، وشكر الله سعيك
وزادك الله فقهاً وحرصا على طواعية الله ورسوله

أما أن يُعمل العمل الصالح من أجل نصرة إخواننا في فلسطين ، فأظن أن أصل هذه البدعة جاءت من بلاد النصارى .
وقد قُتِل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سبعون من القرّاء ومع ذلك ما حُفظ أنه صلى الله عليه وسلم صام لأجلهم أو صلّى ، وإنما دعا الله عز وجل كما في الصحيحين .
كما أنه صلى الله عليه وسلم بعث الجيش يوم مؤتة وعلِم بمقتل أصحابه ولم يُنقل عنه من ذلك شيء .
وإنما كان مِن هديه صلى الله عليه وسلم أنه يدعو ويجتهد في الدعاء .
كذلك اجتهاده صلى الله عليه وسلم في الدعاء يوم بدر .
وكذلك الدعاء من على منابر الجمعة يُذكّر الخطباء بذلك .

وأما الاتفاق على قيام ليلة معيّـنة فإن هذا ليس له أصل في الشرع .
إلا أن يقوم شخص فيقوم بقيامه شخص أو أشخاص دون سابق موعد أو اتفاق مسبق
فقد صلّى النبي صلى الله عليه وسلم وصلّى بصلاته ابن عمه ابن عباس رضي الله عنهما
كما أنه عليه الصلاة والسلام صلّى مرّة وصلّى بصلاته حذيفة رضي الله عنه .
ومرة اقتدى به ابن مسعود رضي الله عنه .
وكل هذا دون اتفاق ودون سابق موعد .
ومثله ما إذا قام رب السرة يُصلّي وقام معه من قام من أولاده .
أو نام عند الإنسان رجل صالح أو امرأة صالحة فقام أو قامت من الليل فإنه يجوز حينئذ الاقتداء به أو بها .

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام دون بقية الليالي خشية أن يظن ظانّ أن لها مزية على غيرها
فقال عليه الصلاة والسلام : لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم . رواه مسلم .

ولا أرى أن هناك حاجة للاتفاق على قيام ليلة معينة بل كل منكن تُوصي صاحبتها أن تقوم الليل وتجتهد في الدعاء للمستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها .
والله تعالى أعلم .


بورك فيك أختي الفاضلة
وشكر الله سعيك
وبارك في جهودك

ذكرت أعلاه أن العمل الصالح لا يكون مقبولاً إلا بشرطين :
الإخلاص
والمتابعة

وقد نص العلماء على أن المتابعة لا تتحقق إلا بستة أمور :

الأول : سبب العبادة
الثاني : جنس العبادة
الثالث : قدر العبادة
الرابع : صفة العبادة
الخامس : زمان العبادة ( فيما حُدِّد لها زمان )
السادس : مكان العبادة ( فيما قُيّدت بمكان مُعيّن )

وطالما أننا نتكلّم عن السنة ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم فلا بُـد في إثبات عبادة أو قُربة وطاعة على وجه مخصوص من دليل خاص .
فليس كل عمل مشروع تُشرع آحاده .
ولذا أنكر ابن مسعود رضي الله عنه على مَن سبّحوا بالحصى ، بل رماهم بالحصى .
فالذّكر مشروع ولكن الوسيلة والطريقة غير مشروعة فأنكر عليهم .
وقد ذكرت قصة سعيد بن المسيّب مع الرجل الذي يُصلّي .
فالصلاة مشروعة لكن الصلاة في ذلك الوقت أو على صفة تُخالف الصفة المشروعة مُحدّثة .
والصيام عبادة ، لكن لا يُشرع أن يتقرب الإنسان إلى الله بصيام الليل مثلا
ولا باقتران الصيام بأمر خارج عنه بقصد القُربة كما لو صام ونذر أن لا يتكلم أو لا يستظل ونحو ذلك .
فالنّيّة هنا لها أثر في العمل ، تماماً كما في مسألة الصيام لأجل فلسطين .
وهكذا .

والإمام الشاطبي من أشد الناس في مسألة البدعة ولذا ألّف – رحمه الله – كتابه الماتع النافع " الاعتصام "
وهو – رحمه الله – يرى أن الابتداع يدخل حتى في الأمور العادية .
وكنت – بحمد الله - قرأت كتابه منذ زمن ورأيت فيه العجب ، ولا أذكر أنه رخّص في شيء من البدع والمحدَثَات بل هو من أشد الناس في ذلك .
حتى ذكر عن الإمام مالك – رحمه الله – أنه أمر بسجن عبد الرحمن بن مهدي – وهو أحد العلماء – لمجرّد أنه وضع ردائه بين يديه خلاف السنة أن يضعه على عاتقه .
ثم علّق عليه الإمام الشاطبي – رحمه الله – بقوله :
وهذا غاية في التوقي والتّحفّظ في ترك إحداث ما لم يكن ، خوفاً من تلك اللعنة ، فما ظنّك بما سوى وضع الثوب ؟
كما نقل عن الإمام مالك – رحمه الله – أنه شدّد النكير على من أراد أن يُحرم من المدينة ويُلبّي من بيته فيها .
وعدّ الإمام الشاطبي – رحمه الله – الاجتماع عشية عرفة للدعاء في ذلك اليوم بدعة .
ومما قاله الإمام الشاطبي – رحمه الله – :
وربما احتجوا على بدعتهم بالجنيد والبسطامي والشبلي وغيرهم ... ويتركون أن يحتجوا سُنّة الله ورسوله ، وهي التي لا شائبة فيها .
ونقل الإمام الشاطبي عن الإمام مالك بن أنس أنه أتاه رجل فقال : يا أبا عبد الله من أين أحرم ؟ قال : أحرم من حيث أحرم صلى الله عليه وسلم ، فقال : إني أريد أن أُحرِم من المسجد . فقال : لا تفعل . قال : فإني أريد أن أُحرِم من المسجد من القبر . قال : لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة ، فقال : واي فتنة هذه ؟ إنما هي أميال أزيدها ! فقال مالك : وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصّر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
إني سمعت الله يقول : ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) انتهى .

============
وهاهي سنة النبي صلى الله عليه وسلم بين أيدينا فليأتوا لنا بدليل واحد على شرعية هذا العمل على كثرة النوازل في عهده صلى الله عليه وسلم مما ذكرته ومن غيرها .
فلم يأمرهم ان يصوموا ليتقووا على مُقاتلة العدو بل أمرهم بالإفطار لأنه أقوى لهم
ولا أمرهم بأن يصوموا لما أرسل الجيش إلى مؤتة ولا إلى غيرها .
بل كان يجتهد صلى الله عليه وسلم في الدعاء
وربما قنت عند النوازل .
والأصل في العبادات أنها توقيفية لا يُعمل منها شيء ولا يُتقرّب إلى الله بشيء منها إلا بما شرع .
وإنما تنشأ البدع غالباً من حُسن النيّة وقصد القُربة

كتبه
عبد الرحمن بن عبد الله بن صالح السحيم
[email protected]

الصفحة الرئيسة   |    صفحة الشيخ عبد الرحمن السحيم