بسم الله الرحمن الرحيم

مصارف الزكاة


السلام عليكم
في احد المحاضرات أثيرت نقطه عن الزكاة مساق إدارة مالية
فقال كلام غريب فقد أحسست بغضب شديد على كلامه ولكن لم اجد ما اذكره له
فهل ما قاله يجوز وان كان لا يجوز فما الرد عليه
قال بالنسبه لنظام الزكاه يجب اعادة نظامه عن طريق الشيوخ وانا اعلم اني سأجد من يتهمني بالزندقه ولكن هذه الحقيقه ثم ذكر قصه يثبت كلامه ان بالقرب من مسكنه هناك رجل يقوم بتوزيع زكاته على المساكين وهذه الحال منذ اكثر من 15 سنه ثم قال الى متى يطلبون ومتى سيكتفون ثم طرح المفروض ان يكون
ومن الفروض ان يختصر الزكاه على شخص معين بحيث يفتح له مصدر لرزق ويمتلكه ويكون هذا مصدر رزقه
بدل ان يوزعها على فئات متعدده ولا يستفيدون منها الا اوقات معينه ثم يطلبون مره اخرى وبتلك العمليه لن يقضى على الفقر
فما رأيك

الجواب :
وعليك السلام ورحمة الله وبركاته
أما بعـد :
فأسأل الله لك العون والتوفيق
وأن يرزقنا الفقه في الدِّين .

أخي الفاضل توزيع الزكاة وتعيين أهلها لم يُترك للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لأحد من الناس بل فرضه الله عز وجل من فوق سبع سماوات فقال :
{ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}
فهو هكذا فريضة من الله

والقائل ذلك القول يلزم من قوله إيجاد طبقات في المجتمع بل طبقات في الفقراء !
كيف ذلك ؟
إذا أعطينا فقيراً حتى يغتني ويكون له مصدر رزق فقد حرمنا الفقراء الآخرين وظلمناهم في نفس الوقت في سبيل تحقيق مصلحة موهومة لفقير واحد .
كما أننا إذا أعطينا فقيراً واحدا لِـزِم من ذلك إهمال بقية الأصناف الثمانية المذكورين في الآية .
ولزِم منه أن يموت بعض الفقراء جوعا ومسغبة حتى يغتني ذلك الفقير .
ولكننا إذا أعطينا سائر الفقراء والمساكين وبقية أهل الزكاة ولو كان قليلا فإننا دفعنا حاجتهم الضرورية ، وأبقينا عليهم ، وأغنيناهم من الفقر ، وكففنا أيديهم عن مسألة الناس .
وليست الأحكام تُبنى على وقائع الأعيان
فهذه الحادثة التي ذكرها وهي قصة جار له منذ خمسة عشر عاما وهو على تلك الحال هي واقعة عين لا عموم لها .
ووقائع الأعيان لا تأخذ حُكم العموم ، كما في قواعد أصول الفقه .
فالحادثة الواحدة قد تشـذّ عن القاعدة
ولكن لو نظرنا في حِكمة أحكم الحاكمين الذي ختم الآية بقوله : ( والله عليم حكيم ) لعلمنا أن في توزيع الزكاة على هذه الأصناف الثمانية حِكمة بالغة علِمها من علِمها وجهلها من جهلها .
فالله عليمٌ بأهلها وبمن تصلح لهم وبمن تُصلح أحوالهم .
حكيم في وضعها في هؤلاء دون غيرهم .
قال ابن كثير - رحمه الله - : وقوله : ( فريضة من الله ) أي حُكما مقدّراً بتقدير الله وفرضه وقَسْمه ، والله عليم حكيم : أي عليم بظواهر الأمور وبواطنها ، وبمصالح عباده . حكيم فيما يقوله ويفعله ويشرعه ويحكم به لا إله إلا هو ولا رب سواه .

ثم إننا – أخي الفاضل – لو قلنا بقول ذلك القائل فقصرنا الزكاة على فقير
لاحتج علينا بقية الفقراء
ولاحتجّ علينا المساكين
والجُباة للزكاة ( العاملين عليها )
ولم نجد ما نتألف به قلوب المؤلفة قلوبهم ، ومن ثمّ تفوت مصلحة عُظمى .
ولاحتج علينا العبيد الذين تتطلع نفوسهم للعتق ، وقد يكون هذا خافيا الآن .
ولاحتجّ علينا من غرُم ، وهم أهل الدَّيْن . فمن أين للمعسر الوفاء ؟
ولتعطّلت مصالح المجاهدين المنقطعين للجهاد وحماية الثغور والذب عن حياض الدين
ولانقطع المسافر الذي انقطعت به السبل ( ابن السبيل )

فمن سيحكم بين هؤلاء ؟؟
ومن سيُنصِف بقية أهل الزكاة الذين فُرضت لهم من فوق سبع سماوات ؟؟

وأختم القول بقول سهل بن حنيف رضي الله عنه حينما قال يوم صفّين :
أيها الناس اتهموا رأيكم ؛ والله لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أني أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته . متفق عليه .

ولابن القيم - رحمه الله – كلاما نفيسا أسوقه لنفاسته
قال - رحمه الله - وهو يتكلّم عن التواضع :
التواضع للدِّين هو الانقياد لما جاء به الرسول والاستسلام له والإذعان ، وذلك بثلاثة أشياء
الأول : أن لا يُعارض شيئا مما جاء به بشيء من المعارضات الأربعة السارية في العالم المسماة : بالمعقول والقياس والذوق والسياسة .

الثاني : أن لا يتهم دليلا من أدلة الدِّين بحيث يظنه فاسد الدلالة أو ناقص الدلالة أو قاصرها أو أن غيره كان أولى منه ، ومتى عَرَضَ له شيء من ذلك فليتَّهم فهمه وليعلم أن الآفة منه والبلية فيه كما قيل :
وكم من عائب قولا صحيحا **** وآفته من الفهم السقيم
ولكن تأخذ الأذهان منه على قدر القرائح والفهوم ، وهكذا الواقع في الواقع حقيقة : أنه ما اتـّـهم أحد دليلاً للدِّين إلا وكان المُتـَّهِم هو الفاسد الذهن المأفون في عقله وذهنه فالآفة من الذهن العليل لا في نفس الدليل ، وإذا رأيت من أدلة الدِّين ما يُشكل عليك ويَنْبُو فهمك عنه فاعلم أنه لعظمته وشرفه استعصى عليك ، وأن تحته كنزاً من كنوز العلم ولم تُؤتَ مفتاحه بعد ...

الثالث : أن لا يجد إلى خلاف النص سبيلا ألبتّة ، لا بباطنه ، ولا بلسانه ، ولا بفعله ، ولا بحاله . انتهى المقصود من كلامه - رحمه الله - .
والله تعالى أعلم .

كتبه
عبد الرحمن بن عبد الله بن صالح السحيم
[email protected]

الصفحة الرئيسة   |    صفحة الشيخ عبد الرحمن السحيم