بسم الله الرحمن الرحيم

يوسف في السجن الأسباني


حكى الله عز و جل عجباً من أخبار نبيِّه يوسف عليه الصلاة والسلام
حكى عنه ربّه أنه دخل السجن فدخل معه فَتيَان وبدل أن يأنس بهما ويُحادثهما استغل تلك الفرصة للدعوة إلى توحيد الله عز وجل وإلى التذكير بنِعمِ الله .
فقال جل شأنه :
(
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ )
فأخبرهما أنه عارف بالتعبير حتى يستمعا إليه ، إذ أن المحتاج إلى تأويل رؤيا أو إجابة سؤال سوف يقبل ما يأتيه من كلام وهو متشوق إلى سماع القول في ما يعنيه .
ثم قال :
(
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ )
فأخبرهم بدينه وأنه على دين أسلافه من الأنبياء
ثم قال :
(
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ )
وليس هذا من باب المقارنة
بدليل قوله بعد ذلك :
(
مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ )
وبعد أن فرغ من دعوته قال :
(
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ )
ثم عبّر الرؤيا بعد هذا المشوار الدعوي

تذكّرت هذا الموقف لما وردني اتصال من بعض دول أوربا فسمعت عجبا من خبر أحد الشباب العرب في بلاد الكفر ، واسم ذلك الشاب محمد .
ذلك الشاب الذي عرفته شاباً حريصا على الخير
حريصا على طلب العِلم وعلى مَجَالِسِه ، حريصا على اقتناء الكتاب .
رأى معي ذات مرة كتاباً فأكبّ عليه يُطالع فيه ويقرأ ويسال .

رأيته أول مرة قبل ما يزيد على سنتين في أحد المُصلَّيَات في أسبانيا وكان مُعتَكِفاً
فقلت : سبحان الله ! أفي هذا البلد الذي يعجّ بالفتن ؟ هناك من رفض الدنيا وتفرّغ للعبادة في هذه الأيام المباركة والمواسم العظيمة .
ثم حمِدت الله أن الخير لا يزال في أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

قطع اعتكافه وخرج إلى مدينة أخرى ليحضر دروسا تُقام في مسجد أو مصلّى آخر .

وقبل فترة بلغني أنه اقتيد إلى السجن !
في بلاد يُقال إنها ترعى حقوق الإنسان !
نعم . اقتادوه إلى السجن بمجرّد التُّهمه !

لم يكن هذا مثار العجب عندي لعلمي بحال القوم ، وأن حقوق الإنسان مجرّد دعاوى
ومن أراد مصداق ذلك فلينظر إلى البوسنة وما وقع فيها وكوسوفا وما جرى فيها
والشيشان وما يحصل فيها
بل ينظر اليوم إلى فلسطين وقتل الأطفال وهدم المنازل
وكلّ ذلك بمرأى ومسمع من العالم أجمع !

ولكن مثار العجب يوم هاتفني صاحبي يُخبرني بخبر ذلك الشاب السجين
فتعجّبت ولم ينقضي عجبي

قال صاحبي إن الجالية وكّلت ( مُحامية ) مُسلِمة ! لتُدافع وتُرافع عن أخينا
ثم دخلت عليه في سجنه مراراً وقابلته غير مرّة
ثم اكتشف أنها – كأكثر من يُسلم من الأسبان – أنها ( صوفيّة المذهب ) غالية في التّصوّف
فما كان من أخينا إلا أن نسي قضيّته
ونسي ما وُجِّه إليه من تُهم
ونسي أنه خلف القضبان
واستغل فرصة وجودها وفرصة إجادته لِلغة القوم .
فاتّجه إلى تلك المرأة وأخذ يُجادلها ويدعوها إلى التوحيد الخالص
تقول المرأة بعد أن خرجت من عنده : أنا أناقشه في قضيّته وهو يُناقشني في التوحيد !
ثم تقول : وقف شعر رأسي وهو يُحدّثني بحقائق أسمعها لأول مرة .
إلى أن قالت : بدأت أشعر أنني كنت في غفلة !

ربما كان الخير في طيّات الشر
قال سبحانه وتعالى :
(
لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ )

قال الإمام العارف الرباني ابن القيم – رحمه الله – :
ما آثر عبد مرضاة الله عز وجل على مرضاة الخلق وتحمّل ثقل ذلك ومؤنته وصبر على محنته إلا أنشأ الله من تلك المحنة والمؤنة نعمة ومسرة ومعونة بقدر ما تحمل من مرضاته فانقلبت مخاوفه أماناً ، ومظانّ عطبه نجاة ، وتعبه راحة ، ومؤنته معونة ، وبليته نعمة ، ومحنته منحة ، وسخطه رضى . فيا خيبة المتخلفين ، ويا ذلة المتهيبين .

فـ لك الله يا محمد
وعجّل بِفَرَجِـك
وربط على قلبك
ويسّر أمرك
وجعل لك من كل همٍّ فرجا
ومن كل ضيق مخرجا
ومن كل بلاء عافية

كتبه
عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
[email protected]

الصفحة الرئيسة