صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • فوائد وفرائد
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    هذا ما عند جدّتي!

    أحمد بن عبد المحسن العساف
    @ahmalassaf


    لا أعرف على سبيل التّجربة مشاعر الأجداد تجاه أحفادهم وأسباطهم، لكنّي ممّا رأيت، وسمعت، ولاحظت، أجد أنّ الكبار يستعذبون هذه المرحلة، ويعاملون الأحفاد بطريقة مختلفة عمّا فعلوه مع أبنائهم إبّان طفولتهم. وفي منظر الجدّ مع حفيده تبرز حدود حياة الإنسان في ضعفيه، ولكلّ ضعف حقوق في أعناق الأقوياء.

    ويمتاز مجتمعنا بتوقير كبير للأجداد، فهم آباء وأمّهات وإن علوا، ولهم واجب من البّر، والطّاعة، وخفض الجناح، ونصيب من الميراث في بعض الأحوال، ويلتزم النّاس بذلك تعبّداً لله، وإتّباعاً لشريعته، فإكرام ذي الشّيبة من إجلال الله، ثمّ اقتفاءً لآثار العرب وخطاهم الحميدة.

    وتباهي العرب بكبارها، وتستنكر إهانة أشياخها، ولذلك فاخر جرير شعراء عصره بأبيه، وقارعهم بهذا الرّجل؛ الذي قيل عن شحّ نفسه، ورثاثته، وقذارته مالا يخفى؛ فحين يغدو الفوارس للحرب، ينزوي أبو جرير خلف أتانه يتقمّل؛ ومع سوء الفعل، ووضاعة الحيوان، ظلّ الشّاعر فخوراً بهذا الوالد.

    واستنكر الأقدمون على أقوام بخلهم، وخفوت نارهم كي لا يراها العابرون، وفوق ذلك قبيح صنيعهم مع عجوزهم، حين يستنبح الأضياف كلبهم، فما وقرّوها، ولا صانوها، فجمعوا مع البخل، العقوق المشين، وأقبح بهما متفرقين بله مجتمعين!
    وليس حسنًا إجراء بعض الأقوال دون بصر ورويّة، ومن ذلك ما اعتدناه لوصف جهالة البعض حين نقول: ما عنده ما عند جدّتي! فعندهنّ على الأقلّ الخبرة، والحنان، وصادق النّصح، فضلاً عن عفاف، وكفاف، وصيانة. ومن الطّريف ما ذكره لي زميل أنّ جدّته سألته عن رجل مشهور، فأجاب وهو غافل: ما عنده ما عند جدّتي! فقالت العجوز: أنا أم أمّك فلانة؟ فانتبه الزّميل، وانكبّ على جدّته يعتذر، ويطيّب خاطرها.

    ولقد سعدت بإدراك جدّتين وجدّ واحد، وإن كان إدراك الأولى منهما قصيرًا، والله يرحمهم جميعًا، ويرفع درجاتهم، ويتقبّل منهم أحسن الذي عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم، في أصحاب الجنّة، ووالدينا، ومن يقرأ، ويؤمّن، ووالديه ووالديهم.

    ورأيت من جدّتي على علو سنّها، ودخولها في خانة القواعد من النّساء عدّة عقود، كثيرًا من مظاهر الحياء، والتّجافي عن الرّجال، والالتزام بالحجاب، والابتعاد عن التّبرج بصنوفه، وكان صوتها خفيضًا إذا اعتقدت باحتماليّة سماعه من رجل غريب، مع أنّه يخلو من التّغنج والدّلال.

    وشاهدت سلام البررة من أبناء عمّها، وأبناء خالها عليها، ومخاطبتهم لها بوصف العمّة؛ لأنّها تكبر بعضهم بعشرات السّنين، ومع ذلك كانت تعاملهم وفق المنهج الشّرعي، بلا مصافحة، وبحجاب شرعي كامل كما تراه، وبقليل من الكلمات المنطوقة بصوت يكاد أن يُسمع.

    ولجدّتي في الصّيف عباءة فضفاضة سميكة، ولها في الشّتاء جوخ نجفي ثقيل ابتاعته من سوق الأحساء قبل بضعة عقود، وفي الاثنين لا يستطيع أن يعرف أحد مالون الملابس تحتهما، فضلاً عن تقاطيع الجسد وحدوده، وظلّت مصرّة على استخدامهما حتى حين أدركها أرذل العمر، غفر الله لها.

    وحين توفيّت رحمة الله عليها، استوهبتُ من والدتي حفظها الله الجوخ النّجفي، وذهبت لفتح أكمامه التي كانت مغلقة لتستر كفي جدّتي، ولضبط أطواله على مقاسي في سوق الزّل، فسألني الخيّاط: هذا الجوخ كان لامرأة؟ قلت: نعم! وكيف عرفت؟ فأجاب: طوله من الخلف سابغ كعادة النّساء سابقًا! ولا زلت ألبس هذا الجوخ كلّ شتاء، وأبدو حين أرتديه مع غطاء رأس أسود، وكأنّي أحد آيات الله؛ عائذًا بالله من شرورهم!
    وأمّا جدّي رحمه الله، فلم يكن في عرف أقرانه متدينًا، ومع ذلك كان محافظًا على الفرائض، مكثرًا من تلاوة القرآن، موقّرًا للدِّين وعلمائه، معظّمًا لشعائر الله، ويذهب لصلاة الجمعة في ساعة مبكّرة جدًا، لا يذهب فيها أكثر صالحي زماننا، ومع انفتاحه النّسبي فقد وقف عند حدود الله لا يتخطّاها، رحمة الله عليه.

    هؤلاء هم أجدادي، وأجزم أنّ أحوال أجداد الآخرين مشابهة أو أحسن، سواء في الحجاز الشّريف، أو في الجنوب الجميل، والشّمال الأشمّ، والشّرق المبارك، ونجد الشّامخة، وقد يختلف الوضع في مكان أو لدى أناس؛ بحسب اختلاف أحكام الحجاب، وعوائد النّاس، بيد أنّهم يشتركون في العفاف، والمروءة، ومجانبة الرّيب، وصون المحارم، وتحاشي الكبائر، وهجر رذائل الأعمال، والأمر بالمعروف ومحبة أهله، والنّهي عن المنكر وبغض أصحابه.

    وكنّا نتمنى أن تكون الدّراما المحليّة، مراعية لهذه الحقيقة الغالبة، لا أن تنفخ في أحوال شاذّة أو تبتكرها، فمعاذ الله أن يكون الأجداد فسقة مردة، ومَنْ من النّاس يرضى بسماع ذلك عن كبرائه ناهيك عن التّفوّه به وروايته؟ وكيف نقول عن آباء وأمّهات العلماء، والمفكرين، والزّعماء، وشيوخ القبائل، ووجهاء البلد، وعامّة أهله، هذا القول الفاسد؟
    وما أجدر هذه الفساد بحملة صفريّة نوفمبريّة تقيم من أوده، وتصلح خلله، بطريقة صحيحة عادلة، فهذه الأوصاف لو كانت صادقة، لما جاز التّرويج لها باعتبارها مخالفة للشّرع الحنيف، فكيف بها وهي افتراء وعدوان على أمواتنا، وتجاوز على محكمات الشّريعة، ومناقضة لركائز الخلق العربي المعروف بشيمه وشهامته؟ وإنّه لفساد لا يقلّ خطورة عن فساد المال، والإدارة، والأعمال المشبوهة!
    ومن الواجب الشّرعي والوطني على صناعة الدّراما المحليّة، أن تفخر بمآثر الأجداد، فهم من عاصر الشّدائد، وذاق طعم المرارة، وكابد الّلأواء والمشقّة، حتى بلغت البلاد حالاً من الوحدة، ومستوى من النّعمة، تُحسد عليه، وتُغبط. ومن الإجحاف وصمهم بهذه الشّنائع في أخلاقهم، ومروءتهم، حتى لو اُقترفت في عصورهم؛ فهي قطعًا من الشّذوذ الذي يؤكد القاعدة العريضة من الحياء والفضل، ولم يسلم حتى زمن النّبوة من الزّنا، والسّرقة، والجريمة، وهو خير أيّام الدّنيا.

    ولإعلامنا في المناسب من طرائق هوليود قدوة، فلم تفضح أفلامه ومنتجاته آباء أمريكا القتلة؛ وجرائمهم في إبادة الهنود الحمر، وإنّما أظهرتهم على أنّهم فرسان نبلاء، وأفادت من أيّ شيء حسن لديهم، وتركت فظائعهم مع أنّها منجم خصب للعمل الدّرامي المثير، وهكذا يفعل الأتراك، والمصريون، والشّوام، مع بيئاتهم وأناسها.

    وجميل بالعمل الفنّي المحلي في الدّراما والسّينما أن يتفاعل مع رؤية البلاد التّنمويّة، فنحن نطمح لمجتمع مختلف، وجيل مبدع، وأعمال فريدة، فلم لا تتحدّث أعمالنا عن المستقبل المنشود، حتى ينطبع المراد في أذهان الأجيال، ويسعون لبلوغه، على أن يكون العمل الفني بلا شطحات، بعيدًا عن المخالفات الكبرى، وكم في الإمكان أحسن ممّا كان، إذا كان هناك عقول، وقلوب، وأموال، وهمم، تريد إصلاح ما كان!


    أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
    @ahmalassaf
    الأحد 04 من شهرِ رمضان المبارك عام 1439
    20 من شهر مايو عام 2018م


    https://ahmalassaf.com/3043-2/

     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية