صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    رجل الدولة.. كمالٌ وجمال!

    أحمد بن عبد المحسن العساف
    @ahmalassaf



     
    لو استطاع أي حاكم الاستغناء عن المشير أو المعاون، لاستغنى الأنبياء-عليهم الصلاة والسلام-، المؤيدون بوحي السماء، الذي ينزل به جبرائيل عليه السلام من عند العليم الخبير، ولما احتاج موسى إلى وزير فصيح، وما نال الشيخان شرف القرب اللصيق من سيدنا صلى الله عليه وسلم، حتى انفرد بهما في الشؤون المهمة، وعرف لهم جيل الصحابة هذا الفضل، رضوان الله عليهم جميعاً.

    وفيما يروى عن معاوية بن أبي سفيان، أنه استقدم إليه وفد العراق، بعد وفاة أميرها زياد بن أبيه، وتولية ابنه عبيد الله مكانه، فلما دخل الوفد؛ كان الأحنف بن قيس آخرهم، مما يدل على أنه في مكان قصي من الأمير! فامتعض معاوية، وأعطى لعبيد الله درساً عملياً بليغاً في أهمية الرجال، وحسن تقديرهم، وضرورة تقديم أهل العقل، والنبل، والفضل، فهم زينة للحاكم، وكمال في الرأي، وجمال في المجلس
    .

    ويتميز رجل الدولة الذي يستحق هذا الوصف برجاحة العقل، وصدق اللهجة، وتغليب المصلحة العامة-وهذه أهمها-، والتضامن مع مجتمعه وأناسه، ولذلك يحظى غالباً بتوقير أكثر الناس وإن خالفه بعضهم في رأيه، ويُكتب تاريخهم بنصاعة الموقف، وجلال المقام، فتجد القادح قبل المادح، يؤكد على أن فلاناً رجل دولة، كان يغلِّب مصلحتها العامة في ساعة الحسم.

    ومن سعادة الحاكم أن يحاط برجال من العيار الثقيل، يمتازون بالبراعة في شتى الشؤون باستثناء المدح، والتزلف، والتطبيل، ويكونون سنداً له في كل حال. وحين يظهرون للعلن، تجدهم على قدر عالٍ من الرزانة، واختيار الكلمات، وقد تخفي تعابير وجوههم حقيقة مشاعرهم؛ بيد أنهم لا يدلسون، ولا يغشون، وإن وجودهم بهذه الصفات لبركة على البلد، ومنفعة للناس، وحاجز متين ضد أي تيار مفسد مهما كان جارفاً
    .

    ورجل الدولة يركن غالباً إلى تربية سامية راقية، وخبرة حياتية متينة، وتراث عائلي عريق، فضلاً عن الدراسة والتعليم، وقراءة التاريخ والسير، وتتبع التجارب والعبر، كي يختزن ذهنه هذا الكم الهائل من دفق المعلومات، ويعيد معالجتها، ليخرج منها بمنتجات من صنعه، تناسب الوضع الذي يعيشه، وتتناسب مع المراحل التي يمر بها مجتمعه، ورائده في ذلك كله استجلاب المصالح العامة، ودفع المضرات وما قد يسبب الخلل
    .

    والقصص كثيرة، ويحتاج استحضارها إلى وقت ومراجعة، ولا بأس بسرد القريب من طرف الذهن، عسى أن تكون عوناً لمزيد بحث، ولاقتداء صادق ممن يشاء الله لهم القرب من صناع القرار، أو بلوغ مناصب عالية، فالناس غاد ورائح، وكل نعيم دنيوي زائل، ولا بقاء في الدنيا لغير لسان صدق في الآخرين، وكلمة حسنة في الباقين
    .

    فقد كان بسمارك طرازاً رفيعاً من رجل الدولة، وبعد أن خدم ألمانيا رئيساً للوزراء، فأنجز وأبدع، تعرَّض لغضبة نارية من الإمبراطور الشاب، فانسحب من المشهد السياسي بهدوء تام، واختار لمجتمعه السلم والاطمئنان، ولم تستفزه نفسه للمنّ بتاريخه، أو تجييش أحد على حكومته، بل انزوى ليكتب مذكراته؛ فتكون نبراساً لمن رام منها الدرس والفائدة، وما ألذ قراءة ذكريات السياسي
    !

    ويُحكى بأن الزعيم اللبناني بشير الجميّل كان متواطئاً مع اليهود، حيث يمولونه بالمال، ويمدونه بالسلاح، ويسربون له الأخبار من مطابخ السياسة في العواصم الكبرى، كباريس، ولندن، وواشنطن. فلما انُتخب لرئاسة لبنان، طلبوا منه توقيع معاهدة سلام ثنائية أسوة بكامب ديفيد؛ فاليهود لا يفوتون فرص السلام المعلن مع العرب؛ بيد أنه رفض كلياً؛ محتجاً بلزوم مشاورة المسلمين؛ لأنهم شركاء في الدولة والقرار، وهكذا يتصرف رجل الدولة؛ حتى لو كانت النتيجة اغتياله قبل أن يتسلم مهامه
    .

    ودافع السياسي السوري الكبير فارس الخوري عن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في مجلس المبعوثان العثماني، مع أنه نصراني وليس مسلماً؛ ومع أن غيره من المسلمين التزم الصمت الذي لا يُحمد، لكنَّ الفارس ابتغى المصلحة العامة؛ وليس الانتصار الفئوي، وهكذا تكون بصيرة رجل الدولة، ومن الطريف أن شيخاً نزع عمامته، ووضعها فوق رأس أبي سهيل وخاطبه بقوله: أنت أحق بها مني! وبالمناسبة؛ فمواقف هذا الرجل تستحق أن تفرد بالكتابة، ولحفيدته كوليت كتاب جميل عن سيرته
    .

    وبما أننا لا زلنا في الشام؛ فلا بأس من الإشارة إلى أن رجل الدولة يبهر من يقترب منه، ويُروى بأن الملك فيصل، قال بعد أن التقى مع الزعيم الدرزي
    كمال جنبلاط
    : هذا رجل أكبر من دولة! ومن المؤكد أن هذه الشهادة الفيصلية لن تقال في حق رجل متقوقع على نفسه أو جماعته، أو لإنسان ضيق العطن محصور الفكر. وللعلم فإن كمال جنبلاط، تعرض لتربية حازمة، خاصة من والدته الست نظيرة، ولمؤلف روسي كتاب حافل ماتع عنه؛ سرد فيه شيئاً من خبر هذه التربية، ورأيت أخيراً كتاباً عن هذه المرأة الجنبلاطية أباً وأماً.

    ومن الشام الجميل ننتقل إلى المغرب الأنيس، حيث وقف الوزير التونسي أحمد المستيري وقفة شجاعة نادرة، ضد تخبطات الرئيس القاسي الحبيب بو رقيبة، وخطط وزيره الأخطبوط أحمد بن صالح، وأعلن المستيري رأيه الصريح في برامجهم الاقتصادية والاجتماعية، واستقال من المناصب التي يشغلها علانية؛ لأن رجل الدولة لا يرضى أن يكون جزءاً من عملية فساد، أو تجهيل، ولا يسير في برنامج يجزم بأن نهايته قاتمة
    .

    والإصلاح أساسي في مسيرة رجل الدولة؛ ولأجله حرص الوزير
    أحمد طالب الإبراهيمي
    -نجل الشيخ البشير- على تعزيز استخدام اللغة العربية من قبل حكومة الجزائر، لدرجة أنه يترجم بنفسه لزملائه الوزراء الذي يتعتعون بها، ويتفاصحون بالفرنسية؛ لأن رجل الدولة لا يستعلي على أركان ثقافة بلده وأناسه، واللغة هي ثالثة أركان ثقافة المجتمعات، مع الدين والتاريخ.

    وللمشير عبد الرحمن سوار الذهب موقف خالد لا ينسى، فقد سجل ابن مدينة الأبيض موقفاً أنصع من أي بياض، حين تدخل في ساعة لا مناص فيها من إجراء يحقن الدم، ويحفظ تماسك البلاد، ووعد فأوفى، ولم تستفزه شهوة السلطة للتشبث بها كما يفعل العسكر وغيرهم، وكانت خدمة البلد وأهله هاجسه الأول، فأصبح السوار تاجاً في تاريخ رجل الدولة لا في السودان وحدها، بل في عالمنا الإسلامي كله
    .

    ولشيخ القانون ورمزه العربي الكبير الدكتور عبد الرزاق السنهوري في أعماله ومناصبه مواقف مشهودة مشهورة، حتى تعرض للإيذاء والضرب، ولم يخنع أو يتراجع؛ فرجل الدولة يحرص على ترسيخ النظام، وسيادة القانون، وصياغة مواده بحيث تصبح قابلة للتطوير بما يتوافق مع الشريعة دين الدار والديار
    .

    ولأن رجل الدولة لا تستفزه جهالات بعض المسؤولين، امتنع السفير والأديب العراقي أمين المميز عن توزيع منشورات محرضة وصلته قبيل موسم الحج، ورأى أن مهمته تمتين علاقة بلده مع السعودية لا توتيرها، وللمميز كتب يوميات ماتعة، ويشاركه في كثرة التأليف، وسمة رجل الدولة، وحسن التمثيل الدبلوماسي، بلديه السفير
    نجدة فتحي صفوة
    . وبما أننا في العراق فلا بأس من التذكير بموقف وزير ماليتها اليهودي حسقيل ساسون، الذي أصر في تعاقده مع الإنجليز، على قبض ثمن النفط ذهباً وليس بعملة ورقية، وكان يرفض طلبات الملك المالية التي تخرج عن الموازنة!

    ويُحسن رجل الدولة تقدير المصلحة في الظهور الإعلامي أو الاحتجاب، وهكذا فعل محمد النويصر الذي ترأس الديوان الملكي في عهد أربعة ملوك، لمدة أربعين عاماً، وجمع إليه رئاسة ديوان الوزراء، ومع ذلك فصورته غير مشتهرة، وحضوره الإعلامي نادر أو منعدم، ولو أنه أدرك وسائل الإعلام الاجتماعي، لما اتخذ حساباً، أو جعل كلماته محسوبة معدودة موزونة
    .

    واختار عبد الله الطريقي مصلحة الحكومة والشعب، وأقام الحجة على شركات النفط لصالح مجتمعه، ولم يستجب لترغيب أو ترهيب؛ لأن رجل الدولة شجاع سامي، ولا يتقدم عنده شيء على المصلحة العليا، والمصالح العامة، وهذا الذي جعل الوزير الطريقي خالداً كلما ذكر النفط، وتاريخه، وصناعته، ومدى إفادة الدول والشعوب منه
    .

    وأهدى السفير فوزان السابق خيلاً عربية أصيلة لحفّار أمريكي مفتون بالخيل، ورفض الشيخ فوزان أي مقابل مادي من الأمريكي، واشترط عليه أن يحفر آبار ماء بين جدة ومكة كي تعين الحجاج، وتحسن من خدمتهم، ففعل، وبعدها رشح الأمريكي للملك عبد العزيز زميلاً له عنده خبرة جيولوجية، وحين قابله الملك، أذن له بالتنقيب عن النفط، فاُكتشف بكميات مشجعة، وهكذا تكون عين رجل الدولة على بلاده، ومصالحها، فهي عنده فوق أي مكاسب شخصية
    .

    ويحوز رجل الدولة الثقة بدون تطبيل أو تزّيد بالباطل، وينالها دون أن يسعى لها بالتملق والبهتان، ولذا رفض الملك فهد مراجعة بعض قرارات الدكتور عبد الله بن عمر نصيف، وإن بدت مخالفة لبعض جزئيات الأنظمة، وعلل ذلك بقوله: هو فوق الشك! ولم يمنح الملك هذا الاستثناء لمسؤول آخر
    .

    ويقول رجل الدولة ما يعتقده حقاً وإن أغضب المقربين من الحاشية، أو الذين يتصنعون النفوذ والسلطة من ذوي الأفكار والتوجهات، وهذا من ديدن الشيخ صالح الحصين في خطب بليغة ألقاها بين يدي الملك عبد الله عقب الحوار الوطني، وله أقوال محفوظة تغضب المرجفين عن الربا، والمرأة، وغيرها. وكتب ذات مرة شفاعة مرسلة لوزير الداخلية الأسبق الأمير نايف، حول أحد رجال العمل الخيري المعتقلين، وهي رسالة اعتراف قلَّ نظيرها
    .

    ويدافع رجل الدولة عن السيادة المعنوية والمادية لوطنه، ولا يساوم البتة؛ وعليه رفض الدكتور غازي القصيبي الموافقة على مطالب الأمريكان تجاه مناهجنا، وتحفظ على تغييرها استجابة لهم؛ مع أن لديه ملحوظات على المناهج، بيد أن استقلالية القرار، خاصة في مسائل حساسة كالتعليم، أمر غير قابل للتفاوض عند رجل الدولة المخضرم
    .

    ويتحرى رجل الدولة مصالح بلدته وأهلها، ولذلك منع حجيلان بن حمد الذي حكم بريدة أربعين عاماً دخول أي أحد لبلدته إلا إن كان تاجراً أو صانعاً، ومنح ولاءه وولاء القصيم للدرعية التي انطلقت منها الدعوة الوهابية بتعاون الإمامين؛ لأنه رأى هذا الخيار أصلح في الدين والدنيا لمدينته وسكانها
    .

    ولأننا في سياق الدعوة السلفية؛ فقد يكون من إنصاف المرأة الإشارة إلى موقف زوجة الإمام محمد بن سعود، حينما حثت زوجها على مناصرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته، فكان موقفها محاكياً لموقف رجل الدولة، صاحب الرؤية المستقبلية، وبعد النظر الاستراتيجي، ومراقبة الله قبل إبداء الرأي، وبذل المشورة
    .

    ويمتن الله على بعض الرجال، فيجعل حياتهم العملية، والمنزلية، ومواقفهم الإدارية، والثقافية، والسياسية، تصف رجل الدولة بما يغني عن قول كثير، ومن أبرز الأمثلة على ذلك حياة الروح الجامعة الشيخ عبد العزيز التويجري، ومواقفه كثيرة، محلية ودولية، معلنة أو غير مشتهرة، وسبق لي استعراض كتاب عن سيرته؛ ولعله يفي بالغرض
    .

    ولأن رجل الدولة عملة نفيسة نادرة، تمنى الملك فيصل لو استطاع قسمة وزيره الدكتور عبد العزيز الخويطر إلى رجلين، فهو مشهور بالكتمان، وبعد الغور، فضلاً عن ثقافته وأدبه، ولذا ظل وزيراً عدة عقود، ولم يخرج من مجلس الوزراء إلا محمولاً على نعشه! وبالمقابل فكم من مسؤولين كثر؛ لا يغني جمعهم عن رجل دولة واحد
    .

    ولا تزال أمة الإسلام تذكر بإعظام وإكبار موقف التابعي رجاء بن حيوة، حينما رشح عمر بن عبد العزيز للخلافة عقب ابن عمه سليمان، فرجل الدولة يبحث عن المصلحة العامة عندما يعمل أو يشير أو يرشح، وقد كان من بركة صدقه ونصحه، أن أصبح الأشج العادل أول من جدد لهذه الأمة أمر دينها، وهو حاكم شاب نزيه، وعالم ورع متبع، ومن بيت حكم عريق، ذي سيادة أصيلة
    .

    وحين نسطر ذلك ونكتبه، فمن الطبيعي ألا يكون المقصود به عين إنسان، ولا بقعة أو مكان، ولا حتى أي عصر أو زمان، فهي قصص تظل مفيدة لأي أحد وإن كان حكيماً بصيراً، وتفيد أي أرض سواء في تنزانيا أو ألمانيا، وتخدم في الحال والمآل، وتناسب أي نظام حكم في طريقته وسلوكه
    .

    ومن الظلم، ونقص العقل، أن تحجر هذه المقالة في قارورة، أو تحصر في زاوية حادة، فتجير على حدث، أو بلد، أو مجموعة، فاللهم ربِّ الناس، ملك الناس، إله الناس، نعوذ بك من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس؛ أيَّاً كان جنياً-وهو أهون- أو إنسياً، ممن يفقد صفة رجل الدولة، وسموه، وصدقه، ويسعى بالفتنة، وساقط الرأي، أو خسيس القول
    .


    أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرياض
    @ahmalassaf

    الثلاثاء 03 من شهرِ شوال عام 1438
    27
    من شهر يونيو عام 2017م


     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية