صيد الفوائد saaid.net
                                                                             
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • المكتبة الصوتية
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات
  • - القصص
  • مقالات
  • - فتاوى
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    هَوَس تأمين المستقبل

    طارق حسن السقا

     
    من المفاهيم التي يجب تدخل في بوتقة التغيير عند الكثيرين منا اليوم - وبالطبع أنا وأنت منهم - تغيير مفهومنا ونظرتنا للمستقبل. فكثير منا ينشغل بتأمين هذا المستقبل انشغالا لا حدود له , نصرف له جل وقتنا وجهدنا , بل و نستهلك حاضرنا كله لتأمين هذا المستقبل الذي قد لا يأتي , والذي قد لا نصل إليه .

    إن تأمين المستقبل تحول إلى هوس , هوس شغل الناس جميعا , شغل الكبير والصغير, شغل الغني والفقير, شغل العالم والجاهل , شغلنا جميعا ؛ هوس تحول إلى داء , داء تكمن خطورته في كونه عطل أمورا كثيرة عند من ابتلاهم الله به . وأكثر من ابتلاهم الله بهوس تامين هذا المستقبل تجدهم دائما قلقين , حائرين , مضطربين , متسرعين , خائفين . وغالبا ما تجد أكثرهم يتنازلون , يفرطون , يقصرون , يذلون تارة و يداهنون تارة أخرى ؛ باختصار تجدهم ممن يستبدلون الذي هو أدني بالذي هو خير .

    إن هذا المستقبل الذي يشغلنا , ويقلقنا , ونخافه هو ذلك المستقبل الذي قد لا تخرج ملامحه عن صور ذلك اليوم الذي فيه سيداهمنا العمر بإمراضه , وأعراضه , وعدم القدرة فيه على الحركة أو العمل ؛ أو ذلك اليوم الذي سيصدر فيه قرار إحالتنا إلى المعاش , أو إلى التقاعد ؛ أو ذلك اليوم الذي فيه سيتزوج
    (آخر العنقود ) وينصرف - مثل بقية إخوانه- لبيته , و أسرته الجديدة , ويتركنا فيما بين الوحدة و الشيخوخة ؛ أو ذلك اليوم الذي نصبح فيه بالنسبة لأبنائنا أشياءً هامشية خارج حدود الدائرة ؛ أو ذلك اليوم الذي سنفاجئ فيه بوفاة شريك الحياة ويعيش الواحد منا فيه بين تبعات الوحدة وجحود الأبناء . هذه الموروثات - وغيرها - أمور ورثناها وتسربت إلى حياتنا ساهمت بقدر كبير في جعلنا نخشى ذلك المجهول ونهابه , بل ونسعى مبكرين لتأمينه - ليس قدر استطاعتنا فحسب , بل بما هو فوق القدر وفوق الاستطاعة . مما يترتب على هذا من المخاطر ما لا ندرك عواقبه إلا بعد فوات الأوان .

    إن المستقبل الحقيقي الذي يجب أن يشغلنا ليس هو ذلك اليوم الذي نعتقد . إن المستقبل الحقيقي للإنسان يبدأ من لحظة إغلاق قبره عليه , من لحظة مفارقة أهله وأحبابه له , من لحظة عودتهم إلى دورهم وأعمالهم وتركه بلا أنيس ولا رفيق , وحيدا تحت التراب , أنيسه الدود , في وحشة الليل , في ظلمة اللحود , يوم يحال بينه وبين العمل , أو يحال بينه وبين إدراك أو استدراك ما مضى وفات . إن المستقبل الحقيقي الذي يجب أن يشغلنا هو ما بعد الموت: يوم لا ينفع مال , ولا بنون , ولا حسب , ولا نسب , ولا أملاك , ولا ألقاب .( يوم يفر المرء من أخيه* وأمه وأبيه* وصاحبته وبنيه* لكل امرئ منهم يومئذ شان يغنيه* ). ( عبس 34:37)

    إن تأمين ذلك المستقبل- والذي حتما سنلاقيه- لا يكون إلا بأمور يجري ثوابها على الإنسان في قبره بعد موته - وهي كثيرة- منها : ما رواه البزار في مسنده من حديث أنس بن مالك أن النبي قال: (سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته : من عَلّم علماً ، أو أجرى نهراً ، أو حفر بئراً ، أو غرس نخلاً ، أو بنى مسجدا ً، أو ورّث مصحفاً ، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته ( (حسّنه الألباني في صحيح الجامع:3596)

    إنك إذا ما نظرت إلى هذه الوسائل السبعة - التي تضمنها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم , و التي تساهم في تامين مستقبل الإنسان الحقيقي بعد موته - ستجد أن جزءا كبيرا من مستقبل الإنسان بعد موته مرهون بتفانيه أثناء حياته في خدمة مجتمعه , لا بالانكباب على همه الشخصي ؛ ستجد أنها تحمل دعوة لكل مسلم بان يتحلى بالايجابية , و يتخلى عن السلبية تجاه أهله ,ومجتمعه , ودائرته التي يعيش فيها ؛ ستجد أنها تحمل دعوة بان يعيد كل إنسان تقييمه إلى فلسفته ونظرته إلى الحياة . فليس من مصلحة الإنسان في المجتمع أن يكسب بمفرده , بل يكسب ويكسب معه الآخرون ؛ وليس من مصلحته أن يأكل بمفرده , بل يأكل ويأكل معه الآخرون ؛ وليس من مصلحته أن يعلم بمفرده , بل يعلم ويعلم معه الآخرون ؛ وليس من مصلحته أن يأمن بمفرده , بل يأمن ويأمن معه الآخرون . هنا يأمن المجتمع على حاضره ومستقبله , وبالتالي يأمن أفراده أيضا على مستقبلهم في الدنيا والآخرة .

    هذا الفهم هو الذي جعل
    عثمان بن عفان - رضي الله عنه - يلبي نداء الواقع على لسان رسول الله- صلى اله عليه وسلم - لما وقف ينادي في الناس :
    من يشتري لنا بئر معونة , ويجعلها صدقة للمسلمين ,
    سقاه الله يوم القيامة من العطش .

    فعلى الفور قام
    عثمان بن عفان- رضي الله عنه - بشرائها وجعلها صدقة للمسلمين يشربون منها وينتفعون بها . ولما فعل هذا لم يكن - رضي الله عنه - منشغلا بالمستقبل الوهمي الذي يشغلنا اليوم , إنما كان مهموما بتأمين مستقبله الحقيقي . كان مهموما بفعل فعل يعود عليه نفعه ومردوده بعد موته .

    نفس الفهم هو الذي جعل
    أبا هريرة - رضي الله عنه وأرضاه - لما دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم الغنائم على أصحابه يجلس غير مكترث بهذه القسمة , ولا بهذه الغنائم . فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له :

    " يا أبا هريرة , ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك؟ "
    فرد عليه أبو هريرة رد المهموم بتأمين مستقبله الحقيقي :
    يا رسول الله , أسالك أن تعلمني مما علمك الله.
    يقول أبو هريرة :
    فنزع رسول الله رداءه وفرشه , وجلسنا , وحدثني حتى
    استوعبت حديثه ثم قال لي : "اجمعها فصرها إليك . "

    فما أسمى همتك يا أبا هريرة . فلو طلب المال لحازه , ولو طلب نصيبه من الغنائم لناله , ولو فكر في تأمين مستقبله الوهمي لأمَنه . ولكنه طلب ما يبقي على ما يفنى . فلقد ذهب المال , وذهبت الغنائم , وبقى علم أبي هريرة الذي نقله للأمة تتعلم منه وتنهل حتى قيام الساعة. وهذا مما يصب في رصيده - رضي الله عنه وأرضاه - إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

    هذا الفهم – أيضا - هو الذي يجعل العقلاء في الأمة لا يكلون ولا يملون من الحديث عن حسن تربية الأبناء والاهتمام بهم . فحسن تربية الأبناء وتنشئتهم التنشئة الإسلامية الصحيحة أحد أهم مراحل تامين المستقبل الحقيقي للإنسان بعد موته .
    فلقمان الحكيم - ذلك الرجل الصالح الذي خيره الله بين النبوة والحكمة ، فاختار الحكمة على النبوة- لما ذكره الله تعالى بأحسن الذكر، و امتن الله عليه بأنفع العلم , تجلت لنا هذه الحكمة , وهذا العلم من بوابة مواعظه ووصاياه التربوية لابنه , وحرصه الكبير على تنشئة الولد الصالح الذي هو أحد أهم روافد تأمين مستقبل الإنسان , بنص حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والذي قال فيه :
    ( إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث:

    صدقة جارية , أو علم ينتفع به, أو ولد صالح يدعو له .) " رواه مسلم ".

    وكان من كرم الله علينا أن قص علينا حكمة ذلك الرجل الصالح - لقمان - ليكون لنا فيها الأسوة والمثل , ولنسير على نهجه في عدم الكلل ولا الملل في نصح أبنائنا , ووعظهم بما يفيدهم , وتربيتهم على القيم النبيلة والفضائل السامية التي تسمو بهم , وبمجتمعاتهم . تربية نحوز بها رضا الله أولاً , ومن ثم الفوز باستحسان المجتمع الذي نعيش فيه. وهذا مما يساهم في تامين مستقبل الإنسان بعد موته .

    إن تأمين مستقبلنا الحقيقي مهمة تتطلب منا إنفاذ كل الجهد , و بذل كل الوسع في كل ما نستجمعه من طاقات, ومواهب , ورغبات , ورؤى , وقدرات . إنها مهمة يجب أن تبرز إلى بؤرة اهتمامنا و تحظى بعنايتنا , ووقتنا , وتفكيرنا , وتخطيطنا . فيجب أن نقدر لهذا الأمر قدره . وليس معنى هذا إغفال تامين مستقبلنا القريب- والذي ذكرنا بعضا من صوره - بل نقدر لكل أمر قدره , ولا ننشغل بالذي هو أدنى عن الذي هو خير . ولا ينسينا هوس تأمين مستقبلنا الوهمي تأمين مستقبلنا الحقيقي , وليكن ذلك بفعل كل ما يرضي الله ورسوله , وفعل ما يعود نفعه على الناس في مجتمعاتنا التي نعيش فيها .


    الرياض : 4/ شوال / 1428هـ
    16/ أكتوبر /2007م
    طارق حسن السقا
    alsaqa22@hotmail.com


     

    اعداد الصفحة للطباعة    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    طارق السقا
  • الفرد المسلم
  • الأسرة المسلمة
  • المجتمع المسلم
  • الحكومة المسلمة
  • أستاذية العالم
  • أعداء الأمة
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية