اطبع هذه الصفحة


صور من العزة في غزة؟!

عبد الله بن راضي المعيدي الشمري

 
الحمد رب العالمين ..
إن أمتنا الإسلامية تمرُّ في هذا الزمان بساعاتٍ رهيبة .. ومحَنٍ عظيمة.. ونوازلَ شديدة.. وأزَمات كثيرة.. ونكَبات متلاحقة ..
لقد تغيَّر حالُ الأمة.. وتبدّل واقعها، وانتكست في حمأة هزيمة قاسيةٍ ثقيلة، كدوحةٍ تآكلت جذورها.. ونُخِر جذعها.. فغدت أمة الأمجاد أمة الإخلاد.. لقد أضحت أمتنا فرقاً مبعثرة متناحرة.. والأمة لا تخرج من نكبة إلا وتُصعَق بأخرى.. وماذا أعظم من اغتصاب الأرض وسلب الحقوق .. والاعتداء على المقدسات .. وقتل الأبرياء ..؟ّّّّ!!

صورٌ من البشاعة :
لقد تقرحت أكباد الصالحين كمدًا مما يجرى في الأرض المباركة في فلسطين الحبيبة .. أطفال يصرخون.. وشيوخ يئنون.. ومرضى يتوجَّعون.. ورجال حائرون..
إنه مشهد من مشاهد الحصار.. وصورة من أثره وآثاره ..
إن منظر البنات الخمس وهن يلفظن أروحهن الطاهرة البريئة.. وتسيل دماؤهن الزكية .. والتي ستبقى شاهدًا على تفرج عالم بأكمله على مأساة لا تصدق.. وإن هذا المنظر من الصعب أن ينسى ..
إيها المؤمنون : إن كل نفس مؤمنة أبية حرة حق لها أن تتساءل إلى متى هذا الذل؟! وماذا بإمكاننا أن نفعل نصرة لإخواننا الفلسطينيين ؟! ومتى يأتي الوقت الذي يخلى بين المسلمين وعدوهم ليشفي الله صدور قوم مؤمنين ؟!
لا يدري ماذا يقول المسلم وبماذا يبدأ .. والمجازر الدموية على أرض غزة قد تعدت الشيوخ والنساء والآمنين حتى وصلت الأطفال الصغار!!
ومع ذلك كله فالعالم كله يتفرج.. وكأن الأمر لا يعنيه.. فهذا العالم كله شرقاً وغرباً في موقف المتفرج الذي يلوم المعتدى عليه ولا يجرؤ أن يعاتب المجرم فضلاً أن يوقفه عند حده .. فلاحول ولاقوة الإبالله ..
يقول الرسول : ((لأن تهدم الكعبة حجراً حجراً أهون على لله من أن يراق دم امرئ مسلم)). وفي رواية: ((لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم)) [رواه الترمذي والنسائي].
وبالرغم من غلاء دم المسلم فإن المجازر باتت تقام للمسلمين في كل مكان .. وأصبح الدم المسلم رخيصاً لا يقام لإراقته وزن ..
إنّ مما لايخفى على أحدٍ ما يتعرض له إخواننا في القدس وفلسطين وهم يذودون عن حياض الإسلام ومقدساته، وكيف يتعرضون للقتل بوحشية وهمجية من اليهود المعتدين ..
رأينا فيها دماءنا التي أهدرت .. رأينا فيها كرمتنا التي مرغت .. رأينا بيوتنا تحرق وتهدم .. وأشجارنا تجتث .. رأينا نساءنا تهان كرامتهن ..

الحديث المتجدد :
أيها الأحبة .. حديثنا يتجدد عن فلسطين .. فلسطين التي يدمى جرحها كل يوم، فماذا فعلنا لها، ماذا قدمنا من تضحيات .. وماذا حققنا من التنازلات .. وهل أدينا أقل الواجبات؟! أمام صيحات أمهاتنا وأخواتنا المكلومات؟! نداءات استغاثة يقدمها إخواننا كلَّ يوم في أرض الإسراء والمعراج، قدموا دماءهم وبذلوا أرواحهم وهدمت منازلهم وحوصروا في ديارهم؟! فهل قمنا بأبسط أدوار النصرة لهم؟ إنها فلسطين .. الأرض المقدسة .. قبلة الأمة الأولى وبوابة السماء ومهد الأنبياء وميراث الأجداد .. مسؤولية الأحفاد .. معراج محمدي .. وعهد عمري .. إلى مسجدها تشد الرحال ومن قبله تشد الأبدان والنفوس والأفئدة.
الأرض المقدسة :
إنها الأرض المقدسة .. فتحها المسلمون بعد وفاة الرسول بست سنوات .. وكتبت تاريخها بدماء الصحابة، وطهرت بعد فضل الله بسيوفهم. تسلَّمها أبو حفص عمر ثم تتابعت حكومات الإسلام في أرضها وتعالت رايات الإيمان في ساحاتها، ، وحكموه قروناً طويلة ثم احتله الصليبيون تسعين عاماً فأخرجهم صلاح الدين رحمه الله ..
حاول الصليبيون كسرها فجاسوا خلال الديار، لكن المسلمين وقفوا لهم بالمرصاد ..
وإن احتله اليهود هذه الأيام فإنهم لن يخرجوا إلا بأمثال عمر وصلاح .. إنها فلسطين المشرفة .. وقدسها المقدسة..

صورٌ من العزة :
لقد أبانت لنا غزة صور من العزة .. لقد أتى على مسلمي فلسطين قرابة قرن من الزمن مرابطين في ثغور الإباء .. مدافعين بأموالهم وأنفسهم عن واسطة العقد في بلاد الشام.. قدموا الشهداء .. وسالت منهم الدماء .. وفقدوا الأبناء والبنات !!
لقد صورت عدسات الإعلام حجم المعاناة والشظف المعيشي هناك، انقطعت الكهرباء، وعم الظلام بالليل، وعزّ الطعام، وقلّ الماء النقي، وتقاسم الناس الخبز، وتعطلت المستشفيات، وحرم المرضى من الدواء، بل حتى الأكفان لمواراة الموتى عدمت عندهم. صار الناس يتحركون هنا وهناك بحثًا عما يسكت بطونهم وأجوافهم. أكثر من مليوني مسلم يعيش هذه المعاناة في هذا السجن، بُحَّت أصواتهم وتعالت صيحاتهم، وتتابعت استغاثاتهم بدول الإسلام وأمم الكفر لإنقاذهم من هذه الكارثة والموت الذي ينتظرهم. إنها والله حالة تدمي القلب وتفتّ الفؤاد فتًّا على هذا المصير المأساوي الذي يلاقيه إخواننا في فلسطين ..
ومع ذلك لما تسمع وترى صورهم وحديثهم عبر شاشات الفضائيات ترى صوراً من العزة والكرامة .. عزة فقدها كثيرٌ من أبناء الأمة المترفين اليوم .. والمخدرين بنعيم المأكل والمشرب والملهى ..

حال الأمة :

نعم لقد أبانت لنا غزة صور من العزة .. وأوضحت مقدار خذلاننا وخورنا .. وكثير منا يرى ما يقع فلا نحير جواباً .. ولا يحرك بعضنا ساكناً .. تقع أمامهم الحوداث وتدْلهمّ الخطوب فلا يألمون لمتألم .. ولا يتوجعون لمستصرخ .. ولا يحنون لبائس .. بل أعظم من كل ذلك أنه في ذات الوقت الذي يذبح فيه المسلمون ترى كثيراً منا لاهين عن مصابهم بإقامة المهرجانات .. والحفلات الغنائية .. وبرامج الشعراء ..
وقلّب نظرك في كثيرٍ قنوات الإعلام العربي ترَ الرقص والتعرّي في الوقت الذي يتضاغى فيه أطفال غزة ونساؤها من الخصاصة، ويتألمون من قرس البرد ولذعاته. .. فإلى الله المشتكى، وبه وحده المرتجى لإغاثة هؤلاء المنكوبين ..

زيف الديمقراطية :
لقد كشف لنا هذا الحصار الآثم زيف الشعارات البراقة التي تنادي بها دول النصرانية الطاغية الباغية .. رأينا رحمة الغرب المتحضّر بالإنسان حينما يختنق شعب بأكمله لأنه اختار من لا يريد أن يركع لساستهم وسياستهم، وكشف لنا هذا الحصار أيضا ضعف لحمة الأخوة الإسلامية وبرودة النخوة العربية، فإذا لم تتحرك فينا النصرة الإسلامية فأين الشهامة العربية؟! وإذا ماتت منا هذه النخوة فأين هو الضمير الإنساني عن نجدة هؤلاء الذين يلاقون شبح الموت البطيء؟!

الطابور الخامس :
وإن ومما يزيد مآسينا إيلامًا أيضا تلك المفاهيم المنكوسة والأقلام الموبوءة التي تحمّل كارثة الحصار على المظلوم ويصمتون عن الجلاد الغاصب الذي أسّس للظلم وأتى به هناك، ناهيكم عن تلك الأقلام التي لا يعنيها شأن القضية الفلسطينية في شيء ولم تحبِّر لنا يوما مقالا في نصرتهم ورفع معاناتهم، وإنما هي مشغولة بتحرير المرأة وخلع حجاب المرأة وقيادة المرأة ورفض محرم المرأة.
أما آن للأمة أن تفيق من غفلتها وتستيقظ من نومتها وأن تنفض عن نفسها لباس الذل وتعود إلى سر عزتها وعنوان مجدها، وأن تنتصر لدينها وتنصر أبناءها في أرض الرباط. وإذا تعذر النصر بالمال والعتاد والنفس لأسباب لا تخفى؛ فلا أقل من المؤازرة والنصرة بالكلمة والدعاء.
إنّ أسوأ ما يصيب حياةَ الأمة أن يصبحَ الدين فيها لهوًا، ويُصبحَ اللهوُ فيها دينًا. إن للذنوب والآثام عواقبَ جساماً، فكم أهلكت من أمم ماضية، وشعوبٍ كانت قائمة، ولا زالت تهدم بناءَ الأمة الحاضرة، وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَا بَصِيرًا .
أن نرتبط بالله، وأن يزيد يقيننا ثقة بموعود الله، فالمصائب مدرسة لصياغة رجال المجد، وجيل التمكين لن يخرج إلا من رحم الفواجع، فأمِّلوا ـ أيها المسلمون ـ وأبشروا خيرا ..
فعن أنس قال: قال رسول الله : ((مثل أمتي مثل المطر، لا يُدرَى أولُه خير أم آخره)) أخرجه أحمد والترمذي وابن حبان وقال : ((لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً، يستعملهم في طاعته)) أخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان ، وقال : ((إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوِي لي منها)) أخرجه مسلم ..
إن هذه الأحداث قَدَرٌ مكتوب على هذه الأمة لتنهض من كبوتِها، وتعيَ رسالتَها، وترصَّ صفوفَها تحت راية واحدة: لا إله إلا الله محمد رسول الله، مع الصدق مع الله، وعدم الركون إلى الدنيا الفانية وإلى أعداء الله، ونصرةِ الله، إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ ..
أيها المؤمنون، إن إخوانكم في فلسطين ينتظرون منكم الدعم والمساندة والنصرة لانتفاضتهم، إن من يرى منظر الشهداء والأطفال الأبرياء يجب أن يقدم ما يستطيع لهم. أين نحن من منظر تلك المرأة الفلسطينية والتي خطت تجاعيد السنين وجهها وهي تنظر في ركام بيتها المتهدم وتنكث التراب وتصيح إلى الله، إلى من نشتكي أين إخواننا؟ إنها والله ثم والله مسئولية، على عاتق كل واحد منا .. عليه مسئولية أن يقدم ما يستطيع من مال ودعم لقضيتهم ..
إننا مطالبون بإبراء ذمتنا بنصرتهم وعدم خذلانهم، ومن نصر مسلماً نصره الله في موطن يحب فيه نصرته، ومن خذل مسلماً خذله الله ..

ومن طرق مساعدة المسلمين هناك الآن :
1- بالمال
2- والدعاء ..
3- والقنوت لطلب نصرتهم في المساجد .
اللهم ربنا عز جارك، وجلّ ثناؤك .. وتقدست أسماؤك، اللهم لا يرد أمرك ولا يهزم جندك .. سبحانك وبحمدك .. اللهم انصر جندك وأيدهم في فلسطين .. اللهم بارك في حجارتهم واجعلها سجيلاً على رؤوس اليهود الغاصبين .. اللهم اجعل قتلهم لليهود إبادة، واجعل جهادهم عبادة .. واجعل موتهم شهادة ..اللهم سدد رميهم، وكن لهم ولا تكن عليهم واحفظ دينهم وعقيدتهم ودماءهم، اللهم وطهر المقدسات من دنس اليهود الحاقدين والصليبين المتآمرين ومؤامرات المنافقين المتخاذلين.
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ..

 

عبد الله المعيدي
  • مقالات ورسائل
  • بحوث ودراسات
  • الصائم العابد
  • الصفحة الرئيسية