صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







 لقاء إذاعي بعنوان:
الحج وتحقيق العبودية لله تعالى

د.عبدالله بن معيوف الجعيد
@abdullahaljuaid

 

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمدُ للهِ ربِ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على خيرِ الأنبياءِ والمرسلينِ، وسيدِ ولدِ آدم أجمعين، سيدِنا محمدٍ بنِ عبدِ اللهِ النبيِّ الأميِّ الأمينِ، خيرِ من صلى وصام، وخيرِ مَن طافَ بالبيتِ الحرام، وعلى آلهِ وصحبهِ ومن تبعِ هداهُ واستنَّ بسنتهِ إلى يومِ الدينِ.

مقدمة في أن العبودية لله من الفطرة وما تحقق به العبودية لله تعالى


أما بعد: فلقدَ خلقَ اللهُ تباركَ وتعالى الإنسانَ وجعلَ في فطرتِهِ حاجةً إلى أنْ يكونَ عبدًا لله سبحانه تعالى، وجعلَ مِن سلامةِ الفطرةِ أنْ يتجهَ القلبُ بالعبادةِ إليهِ جلَّتْ عظمتُهُ وتعالى مجدُهُ، فتتجهُ قلوبُ المؤمنين وجوارحُهُم بكلِ إخلاصٍ وتجردٍ وإنابةٍ إلى اللهِ عزَ وجلَ دونَ أن تتعلقَ بـشيءٍ سواهُ، وقد شرّفَ اللهُ عزَ وجلَ الإنسانَ وزكَّاهُ بالعبوديةِ لهُ تباركَ وتعالى، وقد جاءَ القرآنُ الكريمُ ليغرسَ معانيَ العبوديةِ الشاملةِ في أنفسِ المؤمنينَ المطمئنةِ بالإيمانِ، فقالَ تباركَ وتعالى في محكمِ التنزيلِ آمرًا سيدَ الأنبياء نبيَّنا محمدً صلى الله عليه وسلم:
(قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام:162] .

إنَّ تحقيقَ العبوديةِ للِه عزَ وجلَّ لا بُدَّ أن يتجلَّى في حياةِ الإنسانِ ومماتهِ وبإقامتهِ للشعائرِ التعبديةِ، ولأجلِ العبوديةِ أرسلَ الله تعالى الرسلَ وأنزلَ الكتبَ، وبإقامةِ العبوديةِ لله يتلاشى سلطانُ الشيطانِ على الإنسانِ، فقد قال تعالى: (
(إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر:42] .

وتقومُ العبوديةُ لله تعالى على اتباعِ الإنسانِ لمنهجِ الله ِوشرعهِ، وخضوعهِ لوحيهِ تذللًا لسلطانهِ، وبذلهِ لحياتهِ في سبيلِ الوصولِ إلى مرضاتهِ والنجاةِ من سخطهِ، وفي ذلكَ يقولُ ابنُ تيميةَ رحمهُ الله:
(العبادةُ هي اسمٌ جامعٌ لكلِ ما يحبُهُ اللهُ ويرضاهُ من الأقوالِ والأعمالِ الباطنةِ والظاهرةِ)، كما يقولُ ابنُ القيمِ رحمهُ الله: (والتعبدُ آخـرُ مراتبِ الحـبِ، يقالُ عبَّدهُ الحبُ وتيمهُ إذا ملكهُ وذللهُ لمحبوبِهِ؛ فالمحبةُ حقيقةُ العبوديةِ).

الحج وتحقيق العبودية لله تعالى


جاءَ الإسلامُ بجملةٍ من العباداتِ التي تعززُ تحقيقَ المؤمنينَ الموحدينَ لمعنى العبوديةِ في حياتِهم، وما الحجُ إلا عبادةٌ تزخرُ بمعاني العبوديةِ وحقائقِها، ويتوجبُ على مَن يقصدُ الحجَ بغيةَ إقامةِ الفريضةِ، أن يسعى جاهدًا إلى محاسبةِ نفسهِ، وأن يجعلَ رضى اللهِ عز وجل مقصدَهُ ومنتهى أملِهِ، فيسعى إلى أن يُطهرَ نَفسَهُ من أدرانِ الذنوبِ ودنسِ الشركِ.

فالحجُ من الشعائرِ العظيمةِ التي جاءَ بها دينُنا الحنيف، فهو من العباداتِ التي تزيدُ من خشوعِ الإنسانُ لربهِ، وتُحيي في نفسهِ التوحيدَ للهِ سبحانَهُ وتعالى.

مظاهر تحقيق العبودية لله تعالى في الحج:

وأعمالُ الحجِ ومناسكُه كلُّها مبنيةٌ على توحيدِ اللهِ عز وجل، وتحقيقِ العبودية له، فيمارسُ الحاجُ التوحيدَ شعارًا ومنهجًا وتطبيقًا وعملًا، وفيما يلي توضيحُ ذلك:


أولا: تحقيق العبودية بالتلبية:


يترجمُ الحاجُ كلمةَ لا إله إلا الله ترجمةً حقيقيةً من خلالِ نسكهِ وتلبيتهِ للهِ تباركَ وتعالى، فيتجلجلُ صوتُ الحجاجِ بنفي الـشريكِ عن اللهِ وإعلانِ استحقاقِه وحدهُ للحمدِ على الآلاءِ والنعمِ التي ينعمُ بها الإنسانُ في هذه الحياةِ الدنيا، فيصدحُ الحجاجُ بقولهم:
(لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمدَ والنعمةَ لك والملك لا شريك لك) فيستشعرُ الحجاجُ بذلكَ معنى كلمةِ العبوديةِ للهِ عزَ وجل ويطبقونَها واقعًا عمليًا.

ثانيا: تحقيق العبودية بوحدة العقيدة والتناغم مع الكون في العبودية لله:

العبوديةُ للهِ تبارك وتعالى إنما هي شعارُ الحجِ وعنوانُهُ، فاجتماعُ الحجاجِ في المشاعرِ المقدسةِ واعلاُنهم لكلمةِ التوحيدِ للهِ عز وجل إيمانًا بهِ واعترافًا بفضلهِ، ليس إلا تأكيدًا على بعدِهم عن سبلِ الكفارِ والشياطينِ، فيستشعرُ الحجاجُ عظمةَ العقيدةِ وقيمتَها.

هذه العقيدةُ التي تُوحدُ قلوبَ المؤمنين وتنشئُ حالةً من التناسقِ والتناغمِ بينهم وبين الكونِ بمختلفِ مكوناتِهِ في إعلانِ العبوديةِ للهِ تباركَ وتعالى، وقد قال في ذلكَ نبيُنا صلى اللهُ عليه وسلم: «
مَا مِنْ مُلَبٍّ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا». أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح.

وما إن يفدُ الحجيجُ على اللهِ طائعينَ منقادينَ مستجيبينَ مسرعينَ، حتى يخرجوا من هذه المدرسةِ العظيمةِ غيرَ ما كانوا عليه قبلَ دخولهم، فما إن ينتهوا من نسكٍ حتى يرفلوا في حدائقِ العبوديةِ، فيستلهمونَ ما شاءَ الله لهم من أسرارِ الحجِ وحِكَمِهِ ومعانيهِ، ليصلوا بها إلى أعلى درجاتِ التوحيدِ الخالصةِ القائمةِ على العبوديةِ المطلقةِ التي يعتصمونَ بها من عواصفِ الشركِ والطغيانِ.


ثالثا: تحقيق العبودية من خلال الهجرة إلى الله وتذكر الحشر واليوم الآخر:

الحجُّ هجرةٌ إلى الِله تعالى، فهو رحلةٌ يتركُ فيها الإنسانُ أهَلهُ وأبناءَهُ وبيتَهُ، قاصدًا بيتَ اللهِ الحرامِ، وما أشبهَ هذه الرحلةَ برحلةِ الإنسانِ إلى الدارِ الآخرة، ويتركُ بإحرامهِ الكثيرَ من الملذاتِ والشهواتِ الأمرُ الذي يذكرهُ بما يصيرُ إليهِ بعدَ وفاتهِ، ويتذكرُ الحاجُ عند تزاحمهِ مع الحجاجِ في العديدِ من المناسكِ وقوفَ الناسُ بين يدي اللهِ يومَ الحـشر، كما جاءَ في حديثِ عائشةَ رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«تُحْـشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: «الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ» رواه البخاري.

رابعا: تحقيق العبودية من خلال التفرغ لعبادة الله تعالى:

يتفرغُ الحجاجُ في أيامِ الحجِ المعدودةِ لعبادة الله تعالى بأشكالها المختلفةِ، فيغتنمُ الحجاجُ بذلكَ كلَ دقيقةٍ من هذه الأيامِ العظيمةِ في التقربِ إلى الله ِعز وجل وطلبِ مرضاتِهِ، مبتعدينَ بذلكَ عما يشغلُ الناسَ في حياتهم العادية والتي كثيرًا ما تخالطها الذنوبُ والآثام.


أهمية ذكر الله تعالى في الحج


لقد شرعَ اللهُ تباركَ وتعالى الحجَ لحكمٍ كثيرةِ وعظيمةٍ، ومن بين الحكمِ التي شرعَ اللهُ تباركَ وتعالى الحجَ لأجلِها ذكرُ الله جلَّ وعلا، وللذكرِ شأنٌ عظيمٌ، ومنزلةٌ عالية، فما شرعَ اللهُ عزَ وجل العباداتِ إلى لأجلِ الذكرِ، وما تقربَ المتقربون بمثلِهِ، فقد قال تعالى:
(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) [البقرة:152]، كما قال جل وعلا: ( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه:14].

ذكر الله تعالى من أفضل أعمال الحج:


الانشغالُ بذكرِ الله في الحجِ من أفضلِ ما قد يفعلُهُ العبدُ من الأعمال، فمن المستحبِ أن يكثرَ الحجاجُ من ذكرِ الله ِأثناءَ أداءِ المناسكِ وفي أوقاتِ المكوثِ في المشاعرِ المقدسةِ، وخلالَ التنقلِ بينها، فعن عائشةَ رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«إِنَّمَا جُعِلَ رَمْيُ الجِمَارِ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» رواه الترمذي وقال حسن صحيح.

فالذكرُ هو المقصودُ الأولُ في الحجِ، فما شرعَ اللهُ من مناسكَ في الحجِ على اختلافها إلا لإقامةِ ذكرهِ تباركَ وتعالى.

فينبغي للحاجِ أن يكثرَ من الذكِر بالمطلقِ وأفضلُهُ لا إله إلا الله، وهناكَ الكثيرُ من الأذكارِ العظيمةِ ومنها: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله وغيرها.

من فضائل وثـمرات  ذكر الله في الحج:

وللذكرِ في الحجِ فضلٌ مضاعفٌ، فهو في خيرِ أيامِ السنةِ وفي خيرِ بقاعِ الأرضِ، ومن فضائل وثمرات الذكرِ في الحجِ:


1)  أنهُ من أسبابِ الحصولِ على رضوانِ اللهِ عزَ وجل وإزالةِ الهم.

2)  أن الذكرَ يجلبُ الرزقَ ويورثُ محبةَ الله ِللعبدِ والتقوى في قلبِ العبد.

3)      أن الذكرَ يحطُ من السيئاتِ وينفعُ صاحبهُ وقتَ الشدائدِ.

4)      أن فيهِ شُغْلاً عن الغيبةِ، والنميمةِ، والفحشِ من القولِ.

5)  أنَّهُ مع البكاءِ من خشيةِ اللهِ سببٌ لإظلالِ اللهِ للعبدِ يومَ القيامةِ تحتَ ظلِ عرشِهِ يومَ لا ظلَ إلا ظلهُ

وتحصيل ثمراتِ الذكرِ وفوائِدهِ يكون بالإكثارِ منهُ واستحضارُ ما يقاُل فيهِ، بالإضافةِ إلى المداومةِ على الأذكارِ المطلقةِ والمقيَّدةِ، وتجنبِ الابتداعِ في الذكرِ ومخالفةِ المشروعِ فيهِ.


فضل يوم عرفة


ها نحنُ اليومَ قد وصلنا إلى يومِ الحجِ الأكبر، يومُ عرفةَ، هذا اليومِ المشهودِ الذي تشهدُهُ الملائكةَ، ويشهدُ فيهِ الناسُ الحجَ ومناسكَهُ وينالونَ ما فيه من خيراتٍ، فتتنزلُ بركاتَهُ على الحجاجِ الواقفينَ هنا في عرفات وعلى عمومِ المسلمين ممن يتعرضونَ لبركاتِ هذا اليوم ِالعظيمِ.


من فضائل ومزايا يوم عرفة:


ويومُ عرفةَ ليس كسائرِ أيامِ العامِ، ومما يتميز به:


أولا:
أنه يومٌ عظيم وفيهِ خيرٌ كثيرٌ لمن أرادَ وأقبلَ على اللهِ راغبًا فيما عندهُ، فيُسنُ في هذا اليومِ أن يُكثرَ المسلمُ من الدعاءِ وإظهارِ حاجتهِ للهِ عزَ وجل وافتقارَهُ له، فالمؤمنُ الحريصُ يعملُ على اغتنامِ الفرصِ ويتحينُ أوقاتِ استجابةِ الدعواتِ، ويومُ عرفةَ من الأزمنةِ الـشريفةِ التي يستجيبُ اللهُ تباركَ وتعالى فيها الدعاء، ومما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضلُ الدعاءِ في يومِ عرفةَ قوله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» رواه الترمذي.
وهذا الحديثُ للناسِ عامةً سواءً من كان بيننا هنا حاجًا أو من كان من المسلمين في سائرِ بقاعِ الأرضِ.


ثانيا:
من فضلِ يومِ عرفةَ أن صيامَهُ يُكفر عامين من الذنوبِ، وذلكَ لقولِ النبي صلى الله عليه وسلم عندما سُئلَ عن فضلِ صيامِ يومِ عرفةَ فقال: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» رواه مسلم.
أما السنةُ الماضيةُ فيغفرُ اللهُ ما اقترفه فيها عبدُهُ من الذنوبِ، وأما الباقيةُ فيوفق اللهُ تباركَ وتعالى العبدَ فيها إلى الابتعادِ عن الذنوبِ، وإن وقعَ من العبدِ فيها ذنبٌ فإن اللهَ تعالى يوفقه إلى أعمالٍ كثيرةِ يكفرُ بها عن هذه الذنوب.


ثالثا:
من فضلِ يومِ عرفة أن اللهَ تعالى يَعتقُ فيه عبادَهُ من النارِ، حيثُ قالَ النبيُ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ» رواه مسلم.
 
وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا» رواه أحمد.
والمرادُ بأهلِ عرفةَ هم الحجاجُ هنا الواقفين بعرفة، فما أعظمَهُ من يوم.
ولذلك حريٌّ بنا أن نجتهدَ بالعبادةِ في هذا اليومِ المباركِ مخلصينَ النيةَ لله عزَّ وجلَّ لننالَ من بركتِهِ، وأن نسعى بكلِّ ما نملِكُ لأن نكونَ في هذا اليوم من العتقاءِ من النارِ.

ولما لهذا اليوم من فضلٍ، يجب على المسلمِ الحريصِ على أن ينالَ رضوانَ اللهِ عزَ وجلَ أن يسعى إلى استغلالِ هذا اليومِ أفضل استغلال، وذلك بأن يُقبلَ على ما يستطيعُ من أنواع العبادةِ وأن يُكثرَ من ذكرِ الله ِعزَ وجل في كلِ أحوالهِ، فالمؤمنُ يحرصُ على استغلالِ مواسمِ الخيرِ ويكثرُ فيها من الأعمالِ الصالحةِ، خاصةً وأنها أيامٌ سريعةُ الانقضاءِ، ومن الأعمالِ الصالحةِ التي يسنُ للمؤمنِ الإقبالُ عليها يومَ عرفة، الصيامُ وهو من الأعمالِ الصالحةِ المستحبةِ في يومِ عرفةَ لغيرِ الحجاجِ، فصيامُ هذا اليومِ يكفرُ سنتينِ من الذنوبِ، ويجبُ على المؤمنِ أن يسارعَ إلى التوبةِ في هذا اليوم، وأن يكثرَ من الاستغفارِ فيه، فالذنوبُ من أسبابِ البعدِ عن اللهِ جل وعلا، ومن المهم أن يستشعرَ الإنسانُ المسلمُ في مثل هذا اليوم قِصرَ العمرِ، وأن الموتَ لا يفرقُ بين صغيرٍ أو كبير، فيبادرُ بالتوبةِ ويكثرُ من الاستغفارِ.


من الأذكار المشروعة يوم عرفة:


ومن الأذكارِ العظيمةِ التي يُستحبُ الإكثارُ منها في يوم عرفة والدعاء بها: (لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ)، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌرواه الترمذي.

وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: أَكْثَرُ مَا دَعَا بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فِي الْمَوْقِفِ:
«اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كَالَّذِي نَقُولُ وَخَيْرًا مِمَّا نَقُولُ، اللَّهُمَّ لَكَ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي، وَإِلَيْكَ مَآبِي، وَلَكَ رَبِّ تُرَاثِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ وَوَسْوَسَةِ الصَّدْرِ وَشَتَاتِ الأَمْرِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا يَجِيءُ بِهِ الرِّيحُ». رواه الترمذي.

وصايا عامة للحجاج

إخواني الحجاج..

بعد أن وفقنا اللهُ عزَ وجل ومنَّ علينا بأن يـسرَ لنا أداء فريضةَ الحجِ لهذا العام، وأعاننا على إقامةِ هذه الشعيرةِ المباركةِ، فإنه يتوجبُ علينا أن نُكثرَ من حمدِ اللهِ والثناءِ عليه وشكره على فضلِهِ، فإننا واللهِ وفقنا إلى خيرٍ كثير.
وإننا هنا نتقدمُ ببعض الوصايا لإخواننا الحجاج:


أولًا:
أن نجددَ النيةَ والإخلاصَ للهِ عزَ وجل، وأن نغتنمَ ما بقي من هذا اليوم والأيامَ القادمةَ ونكثرَ فيها من الأعمالِ الصالحةِ وذكرِ اللهِ عز وجل؛ لنستزيدَ من فضلِ اللهِ وكرمِهِ، ونتعرضَ لهذه النفحاتِ المباركات التي قد تسهمُ في إعتاق رقابنا من النار.

ثانيًا:
إن غايةَ العملِ التي من أجلها بُذل المالُ والجهدُ: هي أن يرضى اللهُ عز وجل عنا، ولذلك يجب أن تكون نيتنا من وراءِ أي عملٍ نقوم به هو أن يرضى الله عز وجل عنا.

ثالثًا:
إن للصحبةِ أثرٌ كبيرٌ في حياةِ الإنسانِ، فلينظر أحدنا إلى صحبتِهِ نظرةَ المتفحصِ، فإذا كان بها خلل فليصلحْه أو ليبدِّلْ صحَبتَهُ، فلربما تكونُ الصحبةُ سببًا في فسادِ الحج وضياعِ ثوابِهِ، ولربما تأخذُ صحبتُكَ بيدِكَ إلى الفوزِ بقبولِ الحجِ.

رابعًا:
أساسُ قبولِ العملِ طيبُه، فاللهُ طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا، ولذلك فإن النفقةَ على الحجِ يجبُ أن تكونَ من مالٍ حلال، فلا تكون من مال ربا أو أكل مالِ يتيم أو ميراثٍ أو غيره من مصادرِ المالِ المحرمةِ.

خامسًا:
الاقتداءُ بفعلِ النبيِ صلى الله عليه وسلم في الحجِ، فيمتثل الحاج ما صنعهُ النبي صلى الله عليه وسلم ولا يزيد على ذلك ولا ينقص حتى لا يدخل في الابتداعِ في الدينِ، وما قد يتسبب في إبطالِ الحجِ.

سادسًا:
تذكرْ أَخِي الحَاج أَنك فِي أَيامٍ شَريفةٍ وَفِي مَكَانٍ مُقَدَّسٍ، تُمَارِسُ أَعمَالًا فَاضِلَةً، فَقَد أَقْسَمَ اللهُ عَزَ وَجل بهَذِهِ الأَيامِ، وَهَذَا القَسمُ إِنمَا هو لِعِظَمِ مَكاَنةِ هَذه الأيام عِندَ الله عَز وَجل، فاحرص على اغتنامها واتَّقِ أن تزلَّ قدمُك فيها.

وختامًا،
نسأل الله عز وجل أن يتقبلَ منا ومنكم صالحَ الأعمال، وأن يكتبَ لنا ولكم الأجر، وأن يعتقَ رقابَنا ورقابَكم وأهلينا وأهليكم من النار، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
 
  • المقالات
  • العمل الخيري
  • الكتب
  • الصفحة الرئيسية