صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







التسويق بالهدايا

كتبه: عبدالعزيز الدغيثر في 1/11/1443هـ

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:

فقد كثر التسويق بالهدايا وتنوعت صوره، وتسهيلا للسائلين فقد اختصرت أحكام التسويق بالهدايا في هذه الورقات، وخلاصتها فيما يأتي:

أولا: حكم الهدايا الترويجية: الراجح جواز الهدايا الترويجية في عقود المعاوضات([1]).

ثانيا: حكم الهدية الترويجية بطريق السحب بشرط الشراء: اختلف فيها أهل العلم المعاصرون، والذي عليه أكثر الفتاوى منع استعمال القرعة في توزيع الهدايا على المشترين، إذا اشترط الشراء.

ثالثا: حكم الهدية الترويجية بطريق السحب دون اشتراط الشراء: هذه المسألة يحتمل فيها الجواز لزوال شبهة القمار، فالعميل إما غانم وإما سالم.  ويحتمل المنع لاستعمال القرعة في غير ما أبيحت فيه، فهي إنما أبيحت عند التزاحم في الحقوق، وعند الاشتباه. كما يمكن منعها بالنظر في مقصود دافع الهدية وهو حمل الناس على الشراء، وهو ممنوع عند جمع من أهل العلم، ويجاب بأن هذا المقصود لا يقوى على المنع ما دام أن البائع لم يزد الثمن عن سعر المثل.

رابعا: حكم جهالة الهدية العينية: رجح المحققون من أهل العلم جواز ذلك.

وفيما يأتي تفصيل تلك المسائل.

أولا: حكم الهدايا الترويجية

اختلف أهل العلم المعاصرون في حكم الهدايا الترويجية على قولين:

القول الأول: التحريم، وهو قول الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله- والشيخ عبدالعزيز ابن باز – رحمه الله -([2])، والشيخ صالح الفوزان([3])، ورجحه الدكتور سليمان الملحم ومحمد الكاملي([4])، وأهم مستندات المنع ما يأتي:

1- أن في ذلك أكلا لأموال الناس بالباطل، وتغريرا لهم بالشراء مع عدم حاجتهم لذلك.

ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن البائع إذا لم يزد في السلعة بسبب العرض التسويقي، ولم تكن الهدية هي المقصودة بالشراء، فالمحذور منتف.

2- أن هذه الهدايا لا مقابل لها، وليست هبة يقصد بها التودد.

ويمكن أن يجاب عن هذا الوجه، أنه لا يقوى على منع الهدايا الترويجية، كما يمكن توصيفها بأن الهدية جزء من السلعة، وبهذا يزول الإشكال.

3- أن في تلك الهدايا إضرارا بالتجار الآخرين، وإثارة للبغضاء بينهم.

 وناقشت الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية للاستثمار هذا الوجه بما نصه:" هذه الهدايا طريق مألوف عالميا من جميع التجار لجلب الزبائن وترغيبهم وهذا الطريق في الدعاية التجارية ليس مفتوحا لبعض التجار ومسدودا على سواهم لكي يورث العداوة والبغضاء بين الفريقين، بل طريق مفتوح لجميع التجار ولهم أن يتنافسوا فيه. فإذا مارسه أحدهم فقدم هدايا أو خدمات تجذب إليه الزبائن. ولم يعهد أبدا أن مثل ذلك أورث عداوة بين التجار أنفسهم وهذا التنافس هو سنة التجارة وفيه مصلحة للمستهلكين تحميهم من أن يستغل بعض التجار احتياجاتهم فيتحكموا فيهم.

إذا صح القول بأن هذه الهدايا قمار وأكل للمال بالباطل، يجب أن يكون محرما عندئذ على أحد التجار أن يخفض شيئا من سعر البضاعة عن السعر الذي يبيعها به آخرون لأن هذا الخفض في السعر مظنة لأن يورث عداوة بين التجار أكثر من تقديم هذا للمشترين وماذا يجب أن يقال عندئذٍ في إعلانات الرخص التي يجريها التجار عالميا في مواسم معينة في أسعار السلع خلال مدة معينة بنسبة مرموقة جدا تتراوح بين (25/%) و(75%) عن السعر الأصلي الذي تباع به البضاعة نفسها في غير هذه المواسم والمدد المعلنة."([5]).

القول الثاني: الجواز، بشرطين هما:

1. ألا يزيد التاجر في ثمن السلعة بسبب تلك الهدايا.


2.
 أن تكون السلعة هي المقصودة للمشتري، فإذا كان المشتري محتاجا للسلعة فقد انتفى الغرم الذي هو أحد شقي التردد في الميسر والقمار.

وهو اختيار الشيخ محمد ابن عثيمين – رحمه الله –([6]) والشيخ صالح آل الشيخ ([7]). وصدر به قرار من مجمع الفقه الإسلامي برقم 127 (1/14) بتاريخ 8 - 13 ذو القعدة 1423هـ، وهو الذي اختارته الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية للاستثمار([8])، وأجازته اللجنة التنفيذية للهيئة الشرعية كما في محضر اجتماعها ذي الرقم 104.

ثانيا: حكم الهدية الترويجية بطريق السحب بشرط الشراء

يعد استعمال القرعة في الجوائز من صور الترويج للسلع الحديثة، ولا إشكال في أن الهدية إذا كانت عن طريق السحب بشرط دفع مبلغ معين، فإنه من الميسر المحرم. واختلف أهل العلم في حكم الهدية الترويجية بطريق السحب بشرط الشراء على قولين:

الأول: منع ذلك، لما فيه من الميسر، وممن ذهب إلى ذلك اللجنة الدائمة للإفتاء([9])، الشيخ عبدالعزيز ابن باز – رحمه الله -([10])، والشيخ عبد الله ابن منيع([11]) والدكتور رفيق يونس المصري([12])، والباحث محمد الكاملي([13])، والشيخ مشهور حسن سلمان([14])، والدكتور هاني الجبير([15])، والدكتور عبدالله السلمي([16])، وقد منعت اللجنة التنفيذية للهيئة الشرعية صورة قريبة منها، وهي منح جوائز أسبوعية لأول (150) عميلا يدفعون مشترياتهم ببطاقة فيزا إلكترون([17])، ومستند المنع:

1- أنها من القمار المحرم، فعدد من يشتري السلعة كثير والرابح بالجائزة قليل. وفي بيان الفرق بين القرعة والقمار يقول الشيخ مشهور حسن سلمان:" إنْ لم يُثبت الشرع الحقَّ وإنما القرعة هي التي تثبت الحق، فهذا أصبح قماراً فاليانصيب مثلاً، لا يوجد لأحد حق في الجائزة ، وإنما الذي يحدد القرعة فهذا هو القمار"([18]).

2- أن فيها تشجيعا للناس على الإسراف وشراء ما لا حاجة لهم به طمعا في الجائزة.

الثاني: الجواز، بشرط، أن تكون السلعة هي المقصودة، وبه أفتى الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله، فقد ورد في كتاب " ثمرات التدوين من مسائل ابن عثيمين"ما يأتي:

"سألت شيخنا رحمه الله : يوجد في الأسواق بعض علب الحليب تحتوي على هدايا عبارة عن سبائك ذهبية صغيرة ، وبعض علب الشاي تحتوي على أوراق نقدية ، فما حكم شرائها وهي على هذه الصفة ؟

فأجاب : جائز . وهي تختلف عن الصورة في المسألة السابقة ، لأنه هنا ­ أي المشتري ­ إما غانم أو سالم فلا بأس بذلك . إلا أن يشتريها لا للسلعة من حليب أو شاي ، و إنما للهدية فلا تجوز حينئذ . فالمبلغ الذي يدفعه يقابل في الواقع قيمة السلعة ، وما جعل فيها من هدايا زائد على ذلك"([19]). وأجاز الدكتور سامي السويلم السحب على الجوائز في صورة قريبة من الصورة المبحوثة، بشرط أن تكون قيمة الجائزة أقل من قيمة الاشتراك ( والمقصود بطاقة اشتراك في بطاقات تخفيض لجهات طبية)([20]).

وأجازها الدكتور أحمد الخليل، فقال:" يجوز المشاركة بهذه السحوبات بشرط ألا تكون اشتريت بقصد الدخول في هذه السحوبات. فإذا كنت اشتريت هذه الأغراض راغباً فيها قاصداً لها، وكانت قسيمة السحوبات تابعة لها وليست هي المقصودة فهنا لا بأس بالاشتراك، ويجوز أن تأخذ الجائزة، فيما لو ظهر أنها من نصيبك"([21]).

الثالث: الجواز مطلقا، وهو ما قد من فتوى للشيخ الألباني رحمه الله، فقد سئل عن رجل اشترى علبة دهان، فربح سيارة، فكان ضمن جوابه:" إذا كانت الشركة دفعت قيمة الجوائز من جيبها والسعر هو سبعة ونصف، لكن ترويجاً وتشجيعاً للزبائن على شرائها وضعت هذه الجائزة، فهذه اسمها في الشرع جُعالة، فمثلاً إذا قلت لشخص: إذا أنت قطعت المسافة في ظرف كذا لك كذا، هذه جُعالة، فإذاً وضح الجواب. فعلبة الدهان التي ربح منها الرجل سيارة، هل تباع بسعر معين دائماً، أم رفعوا سعرها لأجل الجائزة؟ فإذا رفعوا سعرها فلا يجوز"([22]).

ثالثا: حكم الهدية الترويجية بطريق السحب دون اشتراط الشراء

لم أجد كلاما لأهل العلم في حكم هذه المسألة، ولا شك أن من أجاز الهدايا مع شرط الشراء فهو مجيز لهذه الصورة، وبالنظر في علل منع الهدية الترويجية بطريق السحب من اشتراط الشراء غير متحققة في هذه الصورة.

وبالنظر في موضوع البحث، نجد أنه يشترط للدخول في السحب فتح حساب استثماري، ولو لم يستخدمه في الوساطة، فالعميل إما غانم وإما سالم، والذي يظهر أن شبهة الميسر منتفية هنا.

إلا أنه يمكن أن يقال بأن سبب المنع هو ما يأتي:

1.  استعمال القرعة في غير ما أجازه الشرع، فالقرعة هي وسيلة لتعيين المستحق المبهم أو المشتبه أو تمييز المستحق غير المعين عند التساوي والتنازع بكيفية مخصوصة([23]).ومتى تساوت الحقوق والمصالح فهذا هو موضع القرعة عند التّنازع [24]، دفعاً للضّغائن والأحقاد ، وللرّضا بما جرت به الأقدار[25]. واستعمالها هنا ليس مما جاءت به الشريعة، فيكون من الميسر المحرم، ويمكن أن يجاب بأن سبب تحريم الميسر هو أن الداخل فيه إما غانم أو غارم، وهذا غير متحقق في هذه المسألة كما تقدم. إلا أنه يشكل على هذا الجواب أن النبي -r  - قال:" من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه"([26])، وفي حديث أبي موسى:" فقد عصى الله ورسوله"([27])، وسبب المنع على ما ذكره صاحب عون المعبود هو :" أن التعويل فيه على ما يخرجه الكعبان أي الحصا ونحوه فهو كالأزلام". وهو دال على منع كل ما يكون مبنيا على الحظ، إلا ما جاء في القرعة في المواضع الشرعية.
 

2.  كما يمكن أن يقال بأن فتح الحساب طريق لاستعماله في الوساطة، ومقصد المصرف هو استعمال الحساب الاستثماري، فهل يكون القصد مؤثرا في الموضوع. الذي يظهر أنه غير مؤثر، لأن من العلماء من أجاز الهدايا الترويجية بغير اشتراط الشراء مع أن التاجر أراد من العميل الشراء، وهو الحاصل غالبا.

رابعا: حكم جهالة الهدية العينية

اختلف أهل العلم في جهالة الهبة على قولين:

القول الأول: أن الجهالة لا تضر في عقود التبرعات، وبه قال المالكية، ورجحه الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم([28]) رحمة الله عليهما.

القول الثاني: أن الجهالة ممنوعة في عقود التبرعات، وبه قال الحنفية والشافعية والحنابلة([29])، واستدلوا بحديث أبي هريرة وفيه:" نهى - r - عن بيع الغرر"([30]).

وأجيب بأن الحديث في البيع، والتبرع ليس بيعا، والأصل في المعاملات الإباحة.

والذي يترجح أن الجهالة لا تضر في عقود التبرعات والله أعلم.

 والله أعلم وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.


--------------------------------------


([1])  القرار 184.

([2])  مجموع فتاوى ومقالات متنوعة 4/201.

([3])  مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم 7/77 (1580)، المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان 3/221.

([4])  القمار وحكمه في الفقه الإسلامي للدكتور سليمان الملحم، نقلا عن أحكام الإعلانات التجارية والجوائز الترويجية لمحمد الكاملي ص 216.

([5])  القرار 184

([6])أسئلة الباب المفتوح " ( رقم 1162 ) .

([7])  محاضرة القمار وصوره المحرمة للشيخ صالح آل الشيخ، نقلا عن أحكام الإعلانات التجارية والجوائز الترويجية لمحمد الكاملي ص 215.

([8])  القرار 184

([9])فتوى رقم (5847) (فتاوى اللجنة 15/191)>

([10])  مجموع فتاوى ومقالات متنوعة 4/203.

([11])  ونص كلامه:" ومثل ذلك في سحوبات المحلات التجارية حيث إن كروت السحب لا تعطى إلا لمن يشتري بمبلغ يتجاوز الحد الأدنى في مبلغ الشراء لإعطاء الكرت، وهذا يعني أن للكرت قيمة تدفع ضمن فاتورة الشراء فهذا من ضروب اليانصيب"- مجلة الدعوة، العدد (1796)، ص 19.

([12])  الميسر والقمار – المسابقات والجوائز للمصري ص 168.

([13])أحكام الإعلانات التجارية والجوائز الترويجية لمحمد الكاملي ص 225.

([14])http://www.almenhaj.net/makal.php?linkid=705

([15])http://www.islamtoday.net/questions/show_question_content.cfm?id=5630

([16])http://www.islamtoday.net/questions/show_question_content.cfm?id=7975

([17])  محضر اجتماع اللجنة التنفيذية ذو الرقم 108.

([18])http://www.almenhaj.net/makal.php?linkid=705

([19])http://www.al-aqidah.com/?aid=show&uid=ihzmngi2

([20])  موقع الإسلام اليوم.

([21])http://www.islamtoday.net/questions/show_question_content.cfm?id=39637

([22])  فتوى منشورة على موقع: http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=1668#1668

 ([23])القرعة ومجالات تطبيقها في الفقه الإسلامي للدكتور عبدالله العمار 1/18، عن تعارض البينات /259.

[24] الأم 7/336، وسائل الإثبات /834.

[25] تهذيب الفروق /283.

([26])  رواه مسلم في صحيحه برقم 4194 عن بريدة t .

([27])  رواه أبو داود في سننه برقم 4287.

([28])  الذخيرة للقرافي 6/243، مجموع الفتاوى 31/270، إعلام الموقعين 2/9.

([29])  بدائع الصنائع 6/118، مغني المحتاج 2/339، الإنصاف 7/131.

([30])  رواه مسلم برقم 1513.

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
د.عبدالعزيز الدغيثر
  • بحوث علمية
  • مقالات حديثية
  • مقالات فقهية
  • مقالات لغوية
  • مقالات عقدية
  • مقالات أخرى
  • الصفحة الرئيسية