صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    إزالة الإشكال
    حول معنى ( الخلود) في قوله تعالى :
    {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (93) سورة النساء

    اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد 

    عبدالله بن محمد العسكر


    بسم الله الرحمن الرحيم


     الحمد لله وحده ، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه وبعد :
    فإن من الآيات التي قد يستشكل معناها قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}، (93) سورة النساء ، فهذه الآية تدل على أن القاتل عمدا لا توبة له وأنه مخلد في النار، وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ...} (48) سورة النساء ، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} (68) سورة الفرقان - إلى قوله -: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ...} (70) سورة الفرقان ، وغيرها من الآيات التي تدل على مغفرة الذنوب إذا كانت دون الشرك بالله ، ومما لاشك فيه أن قتل النفس دون الشرك .
    وآية النساء السالف ذكرها وهي قوله تعالى :{ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا... } من جملة الأدلة التي استدلت بها الوعيدية من الخوارج والمعتزلة على كفر صاحب الكبيرة ([1]) ؛ حيث أخذوا بظاهر هذه الآية فحكموا على الفاسق بالخلود في النار ، وعدم دخول الجنة !!
    ومما هو مسلَّم سلفاً أنه لا تعارضَ بين الآيات ، وإن كان قد يبدو في الظاهر شيء من ذلك . وقد تكلم أهل العلم في هذه المسألة ، وبينوا أوجه الجمع بين هذه الآية وما يظهر أنه معارضٌ لها من  الآيات الأخرى ، ولهم في ذلك عدة أقوال نذكرها ثم نبين ما يظهر أنه أصوبها وأقواها والعلم عند الله تعالى  .

    القول الأول :

     أن الخلود المذكور في  قوله: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} محمولٌ على من استحلّ هذا الفعل ، قاله عكرمة وغيره ([2]) .
    والمستحل لقتل المؤمن كافر ولا شك ؛ لأن تحريم قتل المؤمن مما هو معلوم من الدين بالضرورة.
    وقد ذكروا أن  هذه الآية نزلت في شأن رجل بعينه استحل هذا الفعل فكفر وارتد عن دين الإسلام وهو  مقيس بن صُبَابة ([3]) .
     أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنها نزلت في مقيس بن صبابة فإنه أسلم هو وأخوه هشام وكانا بالمدينة فوجد مقيس أخاه قتيلا في بني النجار ، ولم يعرف قاتله فأمر له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدية فأعطتها له الأنصار مائة من الإبل ، وقد أرسل معه النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا من قريش من بني فهر فعمد مقيس إلى الفهري رسولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقتله وارتد عن الإسلام ، وركب جملا من الدية وساق معه البقية ولحق بمكة مرتدا وهو يقول في شعر له :

     قتلت به فهرا وحملت عقله    ---     سراة بني النجار أرباب فارع ([4])
    وأدركت ثأري وأضَّجعت موسدا   ---  وكنت إلى الأوثان أول راجع ([5])

    ومقيس هذا روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم-  قال فيه : "لا أؤمنه في حل ولا في  حرم " ([6]) .  وقد قتل متعلقا بأستار الكعبة يوم الفتح .
    فالآية إذاً – عند هؤلاء – في حق القاتل الذي هو كمقيس بن صبابة ، الذي استحل هذه الفعلة فصار بذلك مرتدا عن الإسلام .
    والحمل على هذا المعنى لا خلاف بين علماء المسلمين على أن صاحبه يكفر كفرا مخرجا من الملة ، ومن كان كذلك فهو في النار قطعا خالدا مخلدا فيها أبد الآباد .
     

    القول الثاني :

     أن معنى ( جزاؤه ) أي : هذا جزاؤه الذي يستحقه لو جازاه ، بمعنى  أنه مستحق للخلود فيها لشناعة فعله ؛ لكن من رحمة الله أنه لا يخلده لأنه مات على التوحيد ، وربما يعفو عنه فلا يدخلها أصلاً ؛ لكونه تحت المشيئة قال تعالى : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ...} (48) سورة النساء.
    وهو قول أبي هريرة وأبي مجلز وأبي صالح ورجحه ابن جرير الطبري([7]) .
    قال النووي : " ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن يتحتم ذلك الجزاء ،  وليس في الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم ، وإنما فيها أنها جزاؤه ، أي : يستحق أن يجازى بذلك " ([8]) .
     

    القول الثالث :

     أن المراد  بالخلود طول المكث فيها ، فكأنه صار مخلداً لطول بقائه ([9]) . والعرب ربما تطلق اسم الخلود على المكث الطويل ومنه قول لبيد:

    فوقفت أسألها وكيف سؤالنا  ---  صُمّاً خوالدَ ما يبين كلامها ([10])

    ولو أريد الخلود الأبدي لجيء بلفظ ( أبدا ) لبيان أنه لا خروج من النار أبد الدهر .
    يقول الشيخ صالح آل الشيخ :  " الخلود في القرآن نوعان: خلود أبدي، وخلود أمدي.
    الخلود في اللغة واستعمال القرآن على ذلك أنَّ الخلود معناه المكث الطويل، إذا مَكَثَ طويلا قيل له خالد، ولذلك العرب تسمي أولادها خالداً تفاؤلاً بطول المكث، بطول العمر، سَمَّوهُ خالداً؛ يعني أنه سيعمر عمراً طويلاً، وليس معنى الخلود يعني أنه خلود ليس معه انقطاع، وإنما هذا يُمَيَّزُ بالأبدية ؛ لهذا في الآيات ثَمَّ آيات فيها {أبدًا}، وثَمَّ آيات ليس فيها الأبدية ، فلما جاء في القتل قال: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا}، ] وقد[أجمع أهل السنة على أنَّ الخلود في هذه الآية ليس أبدياً لأنَّ مرتكب الكبيرة يخرج من النار بتوحيده.والآيات التي فيها الخلود الأبدي واضحة كقوله - عز وجل - : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} (6) سورة البينة" ([11]).
     

    القول الرابع :

     أن ذلك ورد مورد الزجر والتغليظ .وهكذا كل آيات وأحاديث الحرمان من الجنة ودخول النار أو الخلود فيها بسبب بعض الكبائر هي في حق عصاة المؤمنين من باب الزجر والتخويف ([12])  .
     وهذا لا يعني بالطبع عدم حصول العذاب مطلقا ، ولا الجزم بوقوعه مطلقا أيضاً ، بل قد يحصل لكنه لا يعني الخلود ، وقد لا يحصل مطلقا وهو من كرم الله وإحسانه .
    وهذا من أحسن الأجوبة ، وقد كان السلف يمرون آيات وأحاديث الوعيد على ظاهرها ؛ لأن ذلك أبلغ في الزجر .
    ولما سئل الإمام أحمد – رحمه الله – هل يكفر كفرا مخرجا من الإسلام  من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول كان يجيب بهذا الحديث ويسكت ويطلق القول كما جاء في الأحاديث ، وهذا لأجل التهديد والتخويف حتى لا يتجاسر الناس على هذا الأمر ([13])  .
    ولعل هذا – والله أعلم – هو الذي حدا بابن عباس - رضي الله عنهما – وغيره كالضحاك بن مزاحم ([14]) إلى القول بأنه لا توبة للقاتل عمدا ، ليكون ذلك أبلغ في الزجر لمن همّت نفسه بذلك .
    ومما جاء في ذلك أن  سائلا سأل ابن عباس - رضي الله عنهما - فقال : يا أبا العباس هل للقاتل من توبة ؟ فقال ابن عباس كالمعجب من شأنه  : ماذا تقول ؟ فأعاد عليه مسألته : فقال ماذا تقول ؟( مرتين أو ثلاثا ) ثم قال ابن عباس بعد ذلك : سمعت نبيكم - صلى الله عليه وسلم -يقول : " يأتي المقتول متعلقا رأسه بإحدى يديه ، متلببا قاتله باليد الأخرى ، تشخب أوداجه دما حتى يأتي به العرش ، فيقول المقتول لرب العالمين : هذا قتلني . فيقول الله - عز وجل - للقاتل : تعستَ ،  ويذهب به إلى النار " ([15]) .
     وعن سعيد بن جبير: أن عبد الرحمن بن أبزى أمَره أن يسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين التي في"النساء": "ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم" إلى آخر الآية والتي في"الفرقان": ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ) إلى( وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا )، قال ابن عباس: " إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره، ثم قتل مؤمنًا متعمدًا، فلا توبة له. وأما التي في"الفرقان"، فإنها لما أنزلت قال المشركون من أهل مكة : فقد عدَلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله بغير الحق، وأتينا الفواحش، فما ينفعنا الإسلام! قال فنـزلت:( إِلا مَنْ  تَابَ ) الآية " ([16]).
    وعن أبي الزناد قال: سمعت رجلا يحدّث خارجة بن زيد بن ثابت، عن زيد بن ثابت قال، سمعت أباك يقول: نزلت الشديدةُ بعد الهيِّنة بستة أشهر، قوله:"ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا"، إلى آخر الآية، بعد قوله:( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) إلى آخر الآية ([17]).
     
    وجاء عن سفيان الثوري - رحمه الله -  أنه قال : " كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا : لا توبة له ، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة وناهيك بمحو الشرك دليلا " ،  ثم ذكر حديث " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم "([18]) .
    قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - : " وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السنة ما ورد في ذلك على التغليظ ، وصححوا توبة القاتل كغيره ، وقالوا معنى قوله { فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ } " أي : إن شاء الله أن يجازيه ، تمسكا بقوله تعالى : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء...} (48) سورة النساء . ومن الحجة في ذلك حديث الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين نفسا ثم تمام المائة فقال : لا توبة ، فقتله فأكمل به مائة ثم جاء آخر فقال : ومن يحول بينك وبين التوبة ، الحديث في صحيح مسلم ([19])، فإذا ثبت ذلك لمن قبل من غير هذه الأمة ، فمثله لهم أولى لما خفف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من   قبلهم "([20] ) .
    حُكي أنه كان في مجلس عمرو بن عبيد - شيخ المعتزلة -رجل من أهل السنة . فقال عمرو : " يؤتى بي يوم القيامة فيقال : يا عمرو ، من أين قلت : إني لا أغفر لقاتل ؟ فأقول : أنت يارب قلتَ : ( ومن يقتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ) . فقال ذلك الرجل : فإن قال لك : فإني قلتُ :  ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء...) ، فمن أين علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا ؟!!فسكت عمرو بن عبيد ([21]) .
    وبهذا يتبين أن الخلود المذكور في الآية مدفوع معناه الظاهر بما ذكرنا من إجابات لأهل العلم .
    وهذه الأجوبة ما كانت لتقال إلا لوجود نصوص صريحة في دخول العصاة من المسلمين الجنة ؛ ولأنهم غير مشركين ، فهم داخلون تحت مشيئة الله ، إن شاء غفر لهم ، وإن شاء عذبهم بما هم أهله ، ثم يخرجون بعد ذلك من النار ويدخلون الجنة .
    ولعل مما يعضد ما ذكرنا من توجيهات للآية الكريمة أن حديث أبي هريرة -t- : قال - صلى الله عليه وسلم-  :" مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِى يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِى بَطْنِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ،وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ،وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا " ([22]) الذي ظاهره الحكم على من قتل نفسه بالنار ؛ بل والخلود فيها ، نجد أنه جاء في السنة حديث آخر يقضي بمغفرة الله لمن قتل نفسه . فقد ثبت أن رجلاً من دوس هاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما قدموا المدينة لم يحتمل أجواءها فمرض فجزع ، فأخذ مشاقص له ، فقطع بها براجمه فشخبت يداه ([23]) ، حتى مات ، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه في هيئته حسنة ، ورآه مغطياً يديه ، فقال : ما صنع بك ربك ؟ فقال : غفر لي بهجرتي إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : مالي أراك مغطياً يديك ؟! قال : قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت ، فقصّها الطفيل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عليه الصلاة   والسلام : " اللهم وليديه فاغفر " ([24]) .
    فهذا الرجل رئي في هيئة حسنة مع أنه ارتكب كبيرة بقتل نفسه ، كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا له ، ولو كان دخول النار والخلود فيها حتمٌ على كل من قتل نفسه لم يدعُ له - صلى الله عليه وسلم - .
    وبهذه الإجابات يزول الإشكال ويندفع الإيهام ، فتأتلف النصوص ولا تختلف ، وتتفق ولا تفترق  .
     
    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ،،،
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
    ملخص
      وجه الإشكال :
    الآية الواردة في سورة النساء {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}، فهذه الآية تدل على أن القاتل عمدا لا توبة له وأنه مخلد في النار، وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ...} (48) سورة النساء ، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} (68) سورة الفرقان - إلى قوله -: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ...} (70) سورة الفرقان ، وغيرها من الآيات التي تدل على مغفرة الذنوب إذا كانت دون الشرك بالله ، ومما لاشك فيه أن قتل النفس دون الشرك . فكيف يممكن الجمعغ بين هذه الآيات ؟
    دفع الإشكال : يمكن أن يدفع الإشكال بأحد الأجوبة التالية :
    1-    أن الخلود المذكور في  قوله: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} محمولٌ على من استحلّ هذا الفعل ، قاله عكرمة وغيره ، والمستحل لقتل المؤمن كافر ولا شك ؛ لأن تحريم قتل المؤمن مما هو معلوم من الدين بالضرورة. وقد ذكروا أن  هذه الآية نزلت في شأن رجل بعينه استحل هذا الفعل فكفر وارتد عن دين الإسلام وهو  مقيس بن صُبَابة .
    2- أن معنى ( جزاؤه ) أي : هذا جزاؤه الذي يستحقه لو جازاه ، بمعنى  أنه مستحق للخلود فيها لشناعة فعله ؛ لكن من رحمة الله أنه لا يخلده لأنه مات على التوحيد ، وربما يعفو عنه فلا يدخلها أصلاً ؛ لكونه تحت المشيئة قال تعالى : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ...} وهو قول أبي هريرة وأبي مجلز وأبي صالح ورجحه ابن جرير الطبري .
    3-                 أن المراد  بالخلود طول المكث فيها ، فكأنه صار مخلداً لطول بقائه . والعرب ربما تطلق اسم الخلود على المكث الطويل . كما تسمي الولد خالداً تفاؤلاً بطول عمره لا أنه سيخلد .
    4-      أن ذلك ورد مورد الزجر والتغليظ .وهكذا كل آيات وأحاديث الحرمان من الجنة ودخول النار أو الخلود فيها بسبب بعض الكبائر هي في حق عصاة المؤمنين من باب الزجر والتخويف .وهذا لا يعني بالطبع عدم حصول العذاب مطلقا ، ولا الجزم بوقوعه مطلقا أيضاً ، بل قد يحصل لكنه لا يعني الخلود ،وقد لا يحصل مطلقا وهو من كرم الله وإحسانه .وهذا من أحسن الأجوبة ، وقد كان السلف يمرون آيات وأحاديث الوعيد على ظاهرها ؛ لأن ذلك أبلغ في الزجر . ولعل هذا – والله أعلم – هو الذي حدا بابن عباس - رضي الله عنهما – وغيره كالضحاك بن  مزاحم  إلى القول بأنه لا توبة للقاتل عمدا ، ليكون ذلك أبلغ في الزجر لمن همّت نفسه بذلك .


    ([1]) ينظر في بقية أدلتهم إلى كتاب التوحيد لابن خزيمة (  2/857-879 )، فقد جمع في كتابه فصولاً من الأدلة والمرويات التي يستدل بها الوعيدية لإقرار مذهبهم المنحرف .
    ( [2] ) تفسير الطبري  ( 9 / 61) .
    ( [3] ) فتح الباري لابن حجر  ( 12 / 475) .
    ( [4] ) فارع : أُطُمٌ بالمدينة لبني النجار . معم البلدان  لياقوت الحموي  ( 3 / 304) .
    ([5])  تفسير ابن أبي حاتم  ( 4 / 305) .
    ([6]) رواه أبو داود  حديث رقم (2686) والطبراني في الكبير حديث رقم (5529 )،وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ( 6/ 253) : "  رجاله  ثقات " ، وضعفه  الألباني في ضعيف أبي داود ( 6 /  184).
    ([7] ) تفسير الطبري  ( 9 / 61) ، وينظر إلى : شرح النووي على مسلم  ( 9 / 143).
    ([8]) شرح مسلم 17/83 .
    ([9]) تفسير ابن كثير 1/538 .
    ([10])  دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب للشنقيطي ص 26 ، التحرير والتنوير لابن عاشور ( 2 / 484) .
    ([11])  شرح العقيدة الطحاوية  لصالح آل الشيخ  ( 1 / 383) .
    ([12]) ينظر إلى فتح الباري 10/491 .
    ([13]) ينظر إلى التمهيد لشرح كتاب التوحيد لصالح آل الشيخ ص 453.
    ([14]) نقل ذلك عنهم الطبري في تفسيره ( 9 / 61) .
    ([15]) رواه الإمام أحمد في المسند حديث رقم (2178 ) والطبراني في الأوسط حديث رقم (10594) ، ورواته رواة الصحيح ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب  ( 2 / 317) .
    ([16])  الدر المنثور للسيوطي  ( 3 / 194) .
    ([17])  تفسير الطبري  ( 9 / 69) ، المحرر الوجيز لابن عطية ( 2 / 175) .
    ([18]) نيل الأوطار ( 7 /  124) ، والحديث الذي ذكره رواه النسائي عن عبد الله بن عمرو حديث رقم  (3449) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع ( 5077 ) .
    ([19] ) من حديث أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ حديث رقم ( 7184 ) .
    ([20] )كتاب الكبائر ص 209 .
    ([21])تأويل مختلف الحديث  لابن قتيبة ( 1/  33)،  مجموع فتاوى ابن تيمية ( 34/137 ).
    ([22]) رواه مسلم حديث رقم ( 313) .
    ([23]) المشاقص : مع مِشقص ، وهو : السهم العريض النصل ، البرام : العُقد المتشنّة في ظاهر الأصابع ، شخبت : سالت . ينظر : تاج العروس للزبيدي 1/4466 ، لسان العرب لابن منظور1/411 ، النهاية في غريب الأثر لابن الأثير   2/1114 .
    ([24]) رواه مسلم (116) باب : الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر .

     

    اعداد الصفحة للطباعة
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    عبدالله العسكر
  • كتب ومباحث فقهية
  • موضوعات علمية
  • رسائل ومقالات
  • خطب
  • مختارات شعرية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية