صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • فوائد وفرائد
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    فَليَشْتُمُوا الرسولَ إذن.. (حتّى لا تكون ورطةٌ)!

    د.فهد بن صالح العجلان
    @alajlan_f

     
    بسم الله الرحمن الرحيم


    لو كنتُ في مقامك –أخي القارئ الكريم- لما نشطتُ لمتابعة هذا الحوار بعد  أن طال الكلام وتشعّب الحوار ، غير أنّي أستسمحك في كتابة هذا التعقيب الأخير الذي أظنّ أنّ فيه بعض التوضيحات المهمّة حول محور الخلاف مع الكاتب الكريم (نواف القديمي) ولك سلفاً ولمجلّة العصر وللمحترم نواف كل شكرٍ وتقديرٍ على متابعة هذا الحوار،

    وسوف أضع ما عندي في النقاط التالية:

    (1)

    أوافق الأستاذ الكريم (نواف القديمي) بأنّ ثمّ ورطة حقيقة في التعامل مع  النصوص هنا، لكنّي أشعر أن الورطةَ إنما هي لدى من يذكرُ الدليلَ ثم يهربُ من مقتضيات فهمه لذاك الدليل.
    فالذي يسوق الآيات القرآنية ليأخذ منها (أن هامش الحرية في عهد النبوة كان يتسع لشاتمي نبي الإسلام –صلى الله عليه وسلم-) عليه أن يلتزم بمقتضى دليله، فيعلن بوضوحٍ أن على الأمة أن تحافظَ على تلك الحرية الواسعة التي جاء بها نبيها –صلى الله عليه وسلم-.
    لا بأس يا أبا أحمد.
    هذه النصوص -حسبما أوردتَ- تدلّ على أنّ (شتم الرسول صلى الله عليه وسلم) أمر سائغ في النظام السياسي الإسلامي.
    إذن:
     سيكون من المقبول لديك أن يعلن أحد شتمه للرسول صلى الله عليه وسلم وغمزه له واتهامه له في عرضه وأمانته، وسيكون دورك حينها أن تقول هو (كفر) و ( انحراف) لكنّ هذا لا يعني أن (تمنعه) أو (تعاقبه)، بل ستحميه وتحفظ حقّه في التعبير عن رأيه.
    ليس هذا  سجالاً واستعراضاً جدلياً ، بل هو لازم منطقي لقولك، لا يمكن أن يفهم الاستدلال الذي تقول به  إلا على هذه الكيفية، بأن يكون الطعن في الرسول عليه الصلاة والسلام أمراً ظاهراً لا يمنعه أحد، ولا يحقّ لأحدٍ معاقبة من يفعله، سيراً على هدي النبي صلى الله عليه وسلم حين ترك المنافقين يعلنون كفرهم واستخفافهم به وبمقامهم عليه الصلاة والسلام.
    إن قلتَ: نعم، فهو قول شنيع ترتجف أنامل يدي عن كتابة جوابٍ عنه.
    وإن قلتَ: لن تسمح، فهذا رجوعٌ  -يا صديقي- على دليلك بالنقض، والتفافٌ منك على النصوص التي أتيتَ بها، فأنت تأتي بالدليل ثمّ تهرب منه، وهو شعور منك بفداحة النتيجة التي ستطوّقك حين تأتي بالدليل على وجهه، لأجل ذلك تسوق النصوص وتتوقف عن الالتزام بوجه الاستدلال منها.
    وقد كتبها الأستاذ  في (أشواق الحرية) وأعادها في مقالة (خالص جلبي) وكرّرها ثالثةً هنا، وما زالت النتيجة معلّقة تنتظر من الكاتب الكريم أن يكمل دليله أو يسحبه، أما حشر النصوص مع عدم الأخذ بدلالتها فشيء غير مفهوم.
    النصوص حسب فهمك –يا أبا أحمد- تدلّ على شتم علني للرسول، وقد أقرّهم الرسول، فهل ترى لنا في عصرنا هذا أن نقرّ شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم؟
    وما لنا نستهجن صنيع (الدانمارك) و(السويد) في رسوماتهم المسيئة للرسول، ونطالبهم بالكفّ والاعتذار،  ما دمنا نحن في عقر دارنا سنأذن لمن يفعل هذا وبكل هامش حريّة؟
    --
    النص القرآني –يا صاحبي- لا يمكن أن يتسبب في ورطة لأحد، إلا في حالة واحدة، وهي حالة : الفهم الخاطئ .
    الأستاذ الكريم يستنبط من القرآن أن النبي –صلى الله عليه وسلم- (كفل للمنافقين حرية شتمه وشتم دين الإسلام)  وفي الوقت نفسه يقول إن على المجتمع المسلم أن (يضع ضوابط وقوانين لسقف الحرية) وأن يمنع أي (تعدٍ أو إساءة إلى المقدسات والعقائد)!!
    فكيف لنا أن نجمع بين هذا وذاك؟
    وكيف يريد أخي الأستاذ نواف أن نقبل منه دليلاً هو أول من يرفضه ويوجب العمل على خلافه؟
    --
    من حقّك يا أستاذ أن تبدي استغرابك فتكون متابعاً ( باندهاش ردود الفعل على مقالي المختصر) لأنّنا مندهشون حقيقة أكثر منك، لأنّك تقرّر حكماً لا يستوعب عقلي أن بمقدور أحد إعلانه، فهل يتصوّر قيامُ مجتمعٍ مسلمٍ يقوم فيه أحدُ الناس ليسُبّ في وضح النهار (محمداً) صلى الله عليه وسلم ، وبقيةُ الناس يهزّون رؤوسهم صامتين لأنّهم متبعين لهدي محمد صلى الله عليه وسلم في الإعراض عن المنافقين؟
    هل يستطيع أحد أن يقول: دعوهم يشتموا الرسول بين بيوتكم وشوارعكم، وأعرضوا عنهم كما أعرض عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم؟ إني لأجزم غير حانث أنه لو قال به أحد لرجمه الناس بالحجارة!
    --
    أوافقك - أخانا العزيز- أننا معشر المتداخلين على مقالك لم نناقشك في تفاصيل استدلالك وقد صدقتَ في وصف بعضنا أنه (لم يجد للردّ سوى التشنيع وتعداد اللوازم)
    أتدري –أبا أحمد-  لماذا يعدّدون عليك اللوازم؟
    أنا .. وهم .. نريد أن نفهم منك هذا القول على حقيقته، لأنني لا أتصوّر –حتى ساعتي هذه-أن أحداً  ممن يؤبه به يقول بالسكوت عمن يشتم الرسول صلى الله عليه وسلم، بل ويجب حمايته بالنظام  والقانون، وهذا هو لازم طريقتك في حشر هذه النصوص، ولا يمكن فهمها إلا من خلال هذا الدليل.
     فإن كنتَ تقول بهذا .. فوضّح لنا ذلك حتى نتوقّف عن بيان اللوازم لقولك، وإن كنتَ لا تقول به فأخبرنا كيف خرجتَ من هذا اللازم حتى لا نعيد تذكيرك به، وأما حشر النصوص بهذه الطريقة والاعتذار عنها بأنّها ليست إلا ( سرداً لنصوص من القرآن والسنّة) و أنّك لا تقصد بحث ( موضوع الضوابط والحدود والمعايير التي تنظّم مسألة حرية التعبير في الإسلام) فهو تملّص من الاستدلال الذي تطرحه، فإما أن تأتي به على وجهه أو تسحبه، وأما ما عداه فلا معنى له.

    (2)

    وقد قال الأستاذ الكريم كلاماً يمكن أن يكون جواباً فمن المهم أن أعرضه هنا، قال:
    (وذكرتُ بوضوح في كتابي أشواق الحريّة أن المجتمع المسلم الذي يملك القرار يجب أن يضع ضوابط وقوانين لسقف الحريّة المتاح في المجتمع، ويجب أن يمنع أي تعدٍ أو إساءة إلى المقدسات والعقائد).

    والحقيقة أنّ هذا الكلام لا يستقيم جواباً.
    لماذا (يجب) على الأمة أن ( تمنعَ) أي مساس لعقائدها، ما دام شتم الرسول صلى الله عليه وسلم قد كان أمراً موجوداً في عصر الرسالة وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم!
    هو أمرٌ أباح الرسول صلى الله عليه وسلم وجوده فلماذا يلزمنا أن نمنعه؟ بل ونمنع حتى أيّ مساسٍ للعقائد مما هو دونه بكثير، وكثير جداً!
    هذا أمر قد وُجِدَ في عصر الرسالة، وقد أقرّه الرسول، فلِمَ يجب علينا ما لم يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم؟
    ثمّ .. إن كان الأمر متعلقاً فقط بالمصلحة، فالمصلحة تأتي وتذهب وتتغيّر وليست هي على وجهٍ واحد، فما رأيك لو عقدت الأمة العزم على الإذن به لأنهم لا يرون ثَمّ فتنة في ذلك ، كما هو موجود في النظم الديمقراطية المعاصرة حيث يشيع الإساءة إلى بقية الأديان وهي تعيش جنباً إلى جنب، وليس ثمّ أي فتنة أو اختلال للأمن.
    أليس مثل هذا المجتمع الذي يكفل مثل هذه الحريات أكمل وأرقى من المجتمعات التي تقمعها لأجل المصلحة ، وهي أوفق لهدي النبي صلى الله عليه وسلم؟!
    ثمّ ما سبب إرجاعك الأمر إلى الدستور والقانون؟
    فكلّ ما يمنعه القانون سيؤدّب فاعله ولو كان يشرب كأس ماء أو  (يتحدّث وهو مستلقٍ على شاطئ جزر الكناري) فلا معنى للإتيان بالقانون والنظام، خلافنا في هذا الفعل هل هو جريمة بحدّ ذاته يلزم النظام أن يرفضه ويعمل على مبدئه، أم هو أمر لا حرج فيه ما لم يأت ثمّ قانون؟
     ) النظام لأي شيء يمسّ عقائد الناس، يناقض الاستدلال بنصوص المنافقين، فكيف (يجب) منعهم، في مقام الاستدلال بأنّ الرسول كان (يسمح) لهم!

    (3)

    شعوراً من الكاتب العزيز  بفداحة النتيجة التي يوصله لها هذا الدليل تعجّب من اللوازم التي يذكرها النقّاد لأنها ( هي لوازم للنصّ الشرعي لا لكلامي)!  بل إن محاورة المتداخلين حولها وصل إلى حدّ ( حتى باتت وكأنها استدراك على القرآن)!
    وهو جواب أربأ بمقام  الأستاذ أن ينزل إليه، فمجرّد الاستناد إلى القرآن لا يحيلُ الاستدلالَ نصاً قرآنياً يحرم مخالفته، والطعنُ في فهمٍ ما للنصوص القرآنية لا يكون طعناً في ذات القرآن، وإلا فنحن نطعن ليل نهار في الخوارج والرافضة والباطنية واليهود والنصارى وهم يستدلون بآيات القرآن بل وبكثير من آيات القرآن فهل حياتنا كلها طعنٌ في القرآن ونحن لا نشعر!
    الاعتراض –يا أبا أحمد- ليس على النص القرآني،  بل على فهمك أنت لذاك النص،  فنحن لا نواجه ورطة مع تلك النصوص،  لكن الذي يواجه الورطة الحقيقية هو من يطالب الآخرين بفهمٍ وتفسيرٍ هو نفسه عاجزٌ عن الأخذ به.

    (4)

    يبدو في خطاب أخينا الحبيب عدم تفريق بين ( عدم العقوبة)  و ( وإباحة الفعل) فهو يقول مرّة ( لكن الخلاف حول عدم اتخاذ إجراء عملي دنيوي تجاههم) ويقول في  أخرى مستغرباً (وفي المقابل عدم اتخاذ الرسول عليه الصلاة والسلام أي إجراء عقابي تجاههم)

    وهنا قد وقع الأستاذ الكريم في اشتباك بين (عدم العقوبة) وبين (إباحة الفعل والسكوت عنه)  فعدم العقوبة لا يعني أن الفعل قد غدا أمراً سائغاً  لا حرج في إعلانه وإظهاره،  وإلا فأكثر المحرمات الشرعية بل وعامة الأوامر والنواهي ليس فيها  عقوبات، فلن تجد في القرآن ولا في السنة أي عقوبة على (آكل الربا ) أو ( شاهد الزور)  أو  (آكل الميتة)  و (لحم الخنزير)  أو (تارك ) الصيام والحج .. الخ ..

     فهل هذا يعني أن (ترك) أو (فعل) هذه الأشياء لا بأس به؟ وهل تكون داخلة في كلام الأستاذ نواف في كونها أموراً لم يرتب الشارع عليها عقوبة  وبالتالي فلا منع ولا إلزام فيها؟

    فمنهجية الأستاذ تعتمد على أن ما لم يرد فيه (عقاب) فلا يجب علينا (منعه) ، وهذا خطأ منهجي مكشوف، فالمنع في الشريعة ليس خاصّاً بالمحرّمات التي جاءت الشريعة بالعقاب فيها، وإلا لأصبحت المحرمات في الشريعة محصورة في الخمر والزنا والقذف والحرابة والسرقة والبغي والردّة فقط مما قد نصّ على عقوبته، ولا يقول بهذا أحد من العالمين.
    وإذا كان النظام في الإسلام يعاقب من يرتكب معصية ولو كانت صغيرة، فكيف يعاقب مثل هذا ويترك من (يشتم) رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
    وقد أجاد الأستاذ حين قال ( في باب الأحكام المُتعلقة بحقوق الله ليس كل ما هو (غير مشروع) يستوجب بالضرورة عقاباً دنيوياً
    ) ولو أضاف إليها (  ليس كلّ ما لم يكن عليه عقاب يكون مأذوناً به وغير ممنوع) لبلغ التمام.
    ويتبع هذه النقطة أمر آخر:

    (5)

    ذكر الكاتب الكريم توضيحاً بدا لي غريباً وغير مفهوم حيث قال ( الغريب أن بعض المداخلين أخذ حديثي عن هامش الحرية وكأنه سياق التشريع للكفر، مع أن الآيات توالت في تسمية هذه أفعال وأقوال هؤلاء بالكفر وتوعدتهم بأشد العقاب يوم القيامة )
    وما أفهمه أنه لا أحد من المعترضين على الأستاذ نواف يظنّ أن خلافنا هو في (الكفر) هل هو كفر أم ليس بكفر؟ وفي شتم الرسول هل هو حلال أم حرام؟
     لأن هذه المسائل من المعلومة من الدين بالضرورة، ومن ينكرها فهو خارج عن دائرة الإسلام بإجماع المسلمين، وبالتالي فلا أعتقد أن نقاشنا سيأخذ هذا المنحى المنحدر.
    إنما الذي يذكره المتداخلون من كلماتٍ من قبيلِ:(إباحة شتم الرسول)  و (تسويغ  الطعن في الرسالة ) و (تشريع الكفر)  إنما يعنون :  السماح به والإذن له والسكوت عنه حتى يكون من جنس المباحات،  وإن كان هو محرماً عند من يتركه ويسكت عنه، فهذا هو محل النزاع، وليس كون شتم الرسول مباحاً أو محرماً هذا مما لا يفكر فيه أحد فضلاً عن قيام نقاش حوله.

    (6)

     لماذا لم نناقش النصوص القرآنية التي ساقها الأستاذ نواف؟
    أوافق الأستاذ الموقّر  بأن الإخوة المتداخلين لم يتطرقوا كثيراً إلى النصوص التي ساقها الأستاذ نواف، وبالنسبة لي فأنا لم أتطرق لأي نصٍ إطلاقاً، وسبب ذلك أمران:

    الأمر الأول:
     أن الأستاذ نواف نفسه لا يقول بهذه النصوص، فهو لا يقول –أو على الأقل لم يعلن- أن الحريات في المجتمع المسلم تتسع لمن  يعلن شتمه وطعنه للرسول صلى الله عليه وسلم ويترك لحال سبيله بلا أي تصرفٍ رادعٍ له، وبالتالي فلا معنى للدخول في معاني الآيات ما دام الأستاذ نواف لا يأخذ بها.

    فسواء قيل إن المنافقين كانوا (يجهرون)  أو (يسرّون)  أو (لا يجهرون ولا يسرّون)  فالمحصّلة أنّ الأستاذ نواف لا يأخذ بهذا الدليل، وعليه فقد كان اهتمامي منصباً على توضيح لازم ومعنى هذا الاستدلال للإخوة الذي يستدلون به، وأنا أحسن الظنّ بهم وأرى أنّهم لا يلتزمون بهذا الاستدلال وبالتالي فإنهم سيتوقفون عن الأخذ بدليلٍ لا يقولون بمعناه؟

    السبب الثاني: أنّي ذكرت جواباً كليّاً عن هذه النصوص، ذكرتُ فيه أن هذه النصوص لا تخرج عن كونها (جارية في الخفاء)  أو كونها (جريمة قد عفا عنها النبي صلى الله عليه وسلم)  وقد تنبه الأستاذ نواف إلى هذا الجواب من الإخوة فذكر بعض النصوص التي تفيد أنها علنية، بعد أن كان قد حشر في مقالته الأولى –وأعاد ثانية- كل النصوص سرية وعلنية، هذا خطأ منهجي في الاستدلال، فقد كان واجباً عليه من مقالته الأولى أن لا يذكر إلا النصوص التي يرى أنها كانت علناً وليس أي نصّ يفيد وجود المنافقين.

    وأما ما ثبت كونه علناً فقد أجبتُ عنه في المقالة السابقة، وأتى جواب الأستاذ نواف عنها في مقالته الأخيرة كالتالي ( كيف استطاع تحويل الموضوع من إعلان الكفر وطعن في الدين وسب للرسول وسب الصحابة ولمزهم وخذلان المؤمنين بانسحاب ثلث جيش أحد تحويل كلّ هذه الأفعال وجعلها أشبه بتعدٍ شخصي)

    والحقيقة أن أبا أحمد قد أخذ بجزءٍ من جوابي وترك بقيته، فأنا ذكرت أنّ منها ما هو حقّ شخصي، ومنها ما هو جريمة قد عفا عنها النبي صلى الله عليه وسلم، فبعضها حقٌّ شخصيٌّ عفا عنه، وبعضها جريمةٌ يرجع لولي الأمر تحديد العقوبة المناسبة لها ويجوز له شرعاً أن يعفو عنها إن رأى المصلحة في ذلك، غير أن (العفو) عن الجريمة لا يحيلها (أمراً مباحاً) يفعله الإنسان دائماً، فقد يعفو النظام عن شخص أتلف بعض الممتلكات العامّة لكنّ هذا لا يعني أن إتلاف الممتلكات لا حرج فيه لأن السلطة قد عفت عن فاعله، تماماً كما أن عفو النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض سلوكيات المنافقين لا يعني أن وجود هذه السلوكيات أمراً سائغاً في النظام؟

    فالأصل أن المنافقين يستترون بنفاقهم وكفرهم، وقد يظهر من بعضهم إعلانٌ لكفره  وشتمه فيعفو عنه النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها جريمة لم ينزل حينئذٍ عقوبة محددة لها، ويجوز العفو عن الجرائم في حال المصلحة.

    (7)

    وقد طُرح عند المتداخلين عدد من الإشكالات على طريقة الأستاذ في الاستدلال وقد عرض عليها في تعقيبه الأخير، لكنه لم يجب عنها، وها أنا أعيدها مرّة أخرى:

    الإشكال الأول:

     ما فائدة النفاق، وما معنى تستر المنافقين بكفرهم ما داموا قادرين على إظهار ما هو أشدّ من الكفر وهو الطعن  والغمز في ذات النبي صلى الله عليه وسلم؟

    الإشكال الثاني:
     ما فائدة فضح الله تعالى للمنافقين وكشفه لأسرارهم ما داموا ظاهرين معلنين لكفرهم وشتمهم للرسول صلى الله عليه وسلم؟
    وقد أجاب عنها الأستاذ بقوله ( أما فضحهم فقد وردت عشرات الآيات التي تفضح أفعال المنافقين وأقوالهم لا أسماءهم وتعدهم بأشد العقاب يوم القيامة، بل إن هذه الآيات تشير بوضوح إلى أن القرآن لم ينشغل بملاحقة أعيانهم بل اكتفى بالتحذير من أقوالهم وأفعالهم).
    والحقيقة أنّ هذا الجواب ليس على نسق الإشكال، فالله تعالى فضحهم بمعنى أنّه أظهر للناس صفاتهم وأفعالهم، وهذا يدلّ على أنهم كانوا مستترين متخفين، وإلا فأي فضيحة ستأتي لمن كان ظاهراً مشهوراً، وأما كون الله تعالى (سيعاقبهم)  أو (كفّرهم) أو (حذّر من أفعالهم) فكلام صحيح غير أنه لا حاجة له هنا.

    الإشكال الثالث:
    ما جاء في الحديث الصحيح من الأمر بقتل المرتد ( من بدّل دينه فاقتلوه) وعدم النصّ على  عقوبة للمرتد في القرآن لا يلغي أثر السنّة في التشريع في حال صحّة الحديث في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، خاصّة أن هذا الحديث قد اعتضد بفعل أربعة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وقد أجمع العلماء على حكمه،  وهو حكم قد اعتمد على نصّ صحيح صريح، وإجماع من العلماء، مما  يشطب على الحريّة وهامشها.

    الإشكال الرابع:

     النصوص القرآنية الدالة على تستر المنافقين كقوله تعالى ( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إيمانهم) وقول الله تعالى ( وممن حولكم من الأعراب منافقين ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) وغيرها من النصوص.

    الإشكال الخامس:
    النصوص القرآنية التي تدلّ على مشاركة المنافقين في الجهاد والصلاة والصيام والطاعات، فما الداعي لأن يضغطوا على أنفسهم في هذه المشاركة ما داموا قادرين على إعلان ما هو أشدّ من الكفر من الطعن والإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم؟

    الإشكال السادس:

     كيف يقوم الصحابة بعمليات اغتيال لأشراف اليهود في عمق أسوارهم (كعب بن الأشرف-ابن أبي الحقيق) ويتركوا المنافقين في أزقّة المدينة يشتمون ويسخرون من الرسول عليه الصلاة والسلام؟

    الإشكال السابع:

    حول نصوص (ابن تيمية) فقد سبق توضيح أنّ نصوص الشيخ في مقام (العذر) و (التأويل) وهو مقام آخر مختلف تماماً عن مقام (العقوبة) و (المنع) ، وقد أعاد الأستاذ نواف الحديث عن كلام ابن تيمية وغفل عن هذا الخلط بين باب (العقوبات) وباب (العذر) وهما بابان منفصلان تماماً فقهاً وقانوناً.

    (8)

    الأستاذ الموقّر يحشر النصوص القرآنية بغضّ النظر عن موقعها من الاستدلال، فبعض النصوص التي ساقها هي في الخفاء قطعاً.
    وبعضها لم يكونوا يجهرون به، بل بعض الآيات التي ذكرها الأستاذ قد نزلت في مكّة!

    لنستعرض هذه الآيات سريعاً:
    فثمّ آيات يقول الأستاذ عنها إنها كانت تقال علناً، كالآيات التالية:

    ( ومنهم من يلمزك في الصدقات)
     ( وقالوا لا تنفروا في الحر)
    (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذل)
    (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضّوا)
    وغيرها.


    ولا أجد للكاتب الكريم أي دليل يثبت له أن هذا الكلام قيل جهاراً، لأن هذا حديث القرآن عنهم ، وليس معناه أنّهم كانوا يجهرون به، بل ظاهر القرآن يدل على خلافه، فإعلان القرآن لكلامهم لا يلزم منه أن يكون كلامهم قد قيل في الجهر أمام ملأ المسلمين.
     خذ مثلاً (وقالوا لا تنفروا في الحرّ) هل تعتقدون أنهم كانوا يقولون هذا جهاراً نهاراً؟

    عجباً .. كيف ينفّرون الناس عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهم أصلاً يحلفون للرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم كانوا معذورين عن المشاركة ( عفا الله عنك لم أذنت لهم، حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين)  فلو وصل بهم الأمر إلى إعلان المجاهرة برفض المشاركة لما احتاجوا أصلاً إلى الاعتذار، وانظر في قول الله تعالى ( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم) فهؤلاء الناس يحلفون ليتخلّصوا من المسلمين، مما يعني أنهم لو قالوا  فقط: ليس لدينا عذر لنالهم الأذى والعقاب على مجرّد (التخلّف)، فكيف يستطيع مثل هذا أن يقف في وجه المسلمين جهاراً نهاراً!

    لكن هذا قول حكاه الله تعالى عنهم، ويمكن أن  يظهروه بطريقة إرجافيّة لا يمكن أن تصل بأي حال من الأحوال إلى إعلان الرفض والصراحة في إنكار الجهاد وإلا لما جاؤوا يحلفون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لما رجع من الغزوة بأنهم ضعفاء مساكين معذورين!

    وهكذا .. فكون النصّ القرآني قد أظهر لك كلاماً للمنافقين لا يعني هذا أنّه قيل علناً وجهراً ، وإنما قد يكون سراً بين أصحابهم ففضحهم الله أو قيل بطريقة خبيثة قائمة على اللمز الخفي والإرجاف الذي لا يؤخذ الإنسان به، ولك أن تعلم أن (عبد الله بن أبي بن سلول)  كان هو من تولى (كِبْرَ) الإفك الذي قيل في عائشة رضي الله عنها وعن أبيها ومع ذلك لم يقم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم الحدّ لأنه –مع ظهور قذفه- لم يكن يعلنه بما يقيم الشهادة عليه.

    --

    وكذلك في قول الله تعالى  ( وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره)

    لا يدلّ على (تسويغ) هذا الفعل والسكوت عنه، لأنّ الواجب على (الفرد) غير الواجب على (الجماعة) ، فما أقدر عليه حين أسمع كلاماً يطعن في آيات الله أن أقوم من هذا المجلس وأهجره، وليس عليّ شيء بعد هذا، وأما (الإذن )لهم أو منعهم فهو أمر آخر لم تشر إليه الآية، فما أدري من أين يؤخذ من الآية تسويغ مثل هذا الفعل؟
    هل يجب عند ذكر كلّ حكمٍ في القرآن أن تذكر جميع الأحكام المتعلقة به؟
    قد ذُكِرَ الخمرُ في القرآن في آياتٍ كثيرة ولم يتطرّق لأي عقوبة عليه، بل ولم يتطرّق لمنعه أو محاصرة وجوده،  فهل نسقط عقوبة الخمر،  وتبقى الخمور تباع في أسواق المسلمين لأن النصوص القرآنية لم تنصّ على العقوبة أو المنع؟
    وقد ذُكِرَ الربا في آياتٍ كثيرة وليس فيه أي عقوبة، بل ولا حتى في السنّة الصحيحة ولا في أقوال الصحابة،  فهل يكون الربا أمراً شائعاً ظاهراً في المجتمع من دون عقاب ولا منع؟
    فالاستدلال بهذه الآية سارٍ على طريقة غير منهجية في التعامل مع نصوص الشريعة.

    --

    وأما حادثة انسحاب المنافقين من غزوة أحد، وكثرة ترداده من الأخ الكريم وكثير من المعقّبين، فسيزول الإشكال فيه حين يقرأ المؤمن قول الله تعالى عن موقف المنافقين في غزوة أحد ( وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم) لاحظ كيف أنهم يقولون ( لو نعلم قتالاً لاتبعناكم) فتركهم للقتال قائم على اعتذار وتسبيب، فهم لم ينسحبوا شتماً للدين وطعنا في الرسول وإهانة للإسلام، بل تكاسلاً وتعذراً وتهاوناً، بدليل أنّه قد انهزم معهم ثلث الجيش، أترون هذا (الثلث) كلّهم منافقون؟ كلا، لكن المنافقين بخداعهم وتثبيطهم قد أثّروا في المسلمين من جهة الإرجاف والخداع وليس من جهة التكذيب والكفر المحضّ.

    نعم، قد كان تصرّفهم خطأ ومعصية ، لكنّه لم يأت من جهة المجاهرة بعداء الرسول، وخذلانه، ورفض المشاركة معه.

    --
    وأما قول الله تعالى (  وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) فهذه آية نزلت في مكّة، فهي من سورة الأنعام التي كلّ آياتها مكيّة إلا ثلاث آيات في آخرها، فالآية نزلت في وقت لم يكن ثمّ نفاقٌ ولا منافقين، ومع ذلك جاء الأستاذ نواف ليستدلّ بها على هامش حريّة المنافقين!

    (9)

    وأختم بها، هذا التعقيب والحوار بأكمله، وأشكر بعدها كلّ من تابع هذا الحوار،
    هي:
    أنّ الأستاذ نواف قد وقع في خطأ منهجي هو الذي كان سبباً لمثل هذا الاستدلال الذي يأتي بأدلته ويهرب من النتيجة التي يوصله إليها.

    وهو أن النصوص الشرعية إنما تؤخذ بجملتها، ويضمّ بعضها إلى بعض، ويرجع في فهمها إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأحاديثه، وفهم صحابته، وإجماع الأمة، وأقوال المفسرين والعلماء، لأن هذا هو النظر الشرعي الصحيح الذي يوصل الإنسان إلى الرؤية الصحيحة للأحكام الشرعية، ووجود نصّ قرآني قد يفهم الإنسان منه معنى معيّن لا يعني أنّ هذا هو النصّ الذي يجب اتباعه، ومن يعارضه فهو معارض للقرآن، ما لم  يجمع المسلم النصوص كلها، وينظر في الدلائل الشرعية جميعاً، ثم يتبين له حينها معنى كلّ دليل، ومكان كل استدلال، وإلا ففي النصوص الشرعية –بنصّ القرآن- ما يكون الاعتماد عليه فقط من دون جمعه مع النصوص القرآن سبباً للانحراف والزيغ ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) وسبيل معرفة المحكم من المتشابه في جمع النصوص بعضها إلى بعض، والرجوع إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والنظر في فهم الصحابة وسلف هذه الأمة، مع العناية بمذاهب العلماء وأقوالهم  وتفسيراتهم، وكون قول بعض الصحابة أو العلماء  ليس بحجّة ويجب أن يستدل له لا أن يستدل به لا يعني تعطيل النظر في كلامهم مطلقاً.

    وعلى منهجية الأستاذ نواف سنتوصّل من خلال النصوص القرآنية إلى النتائج التالية:
    أن اليهود والنصارى يدخلون الجنّة إن كان مؤمنين بالله ولو كفروا بالرسول والإسلام وبالقرآن ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى  والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) و أن شرب الخمر حلال  ( يآ أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون).

    وهذه أمثلة، ولو فتحتَ كتب أي فرقة مهما نزلت في سوئها وانحرافها فستجد أنها تستدل بعشرات الآيات القرآنية على مذاهبها المنحلّة، وقد يكون الدليل بمفرده مما يمكن أن يستدلّ به لحكمٍ ما ، لكن حين تضمّه إلى بقية النصوص والدلائل والسنة الصحيح وفقه الصحابة يكون أمراً منكراً وقولاً شنيعاً.

    --

    الحمد لله،
    إذا كان الأستاذ قد بحث هذا المسألة في  ( مقال لم يكن بحثاً استقصائياً لمسألة حرية التعبير في الإسلام وحدودها وضوابطها)فكذلك لم يكن أحدٌ من المتداخلين يقصد استقصاء هذه المسألة، وإنما بيان خطورة مثل هذا الاستدلال الخاطئ الذي سيكون فرشاً لأساس الحريات سيؤدي – وإن لم  نشعر- إلى تعطيل كثير من الأحكام الشرعيّة.

    وإذا كان الأستاذ متضايقاً مما (يقرّرة بعضهم اليوم تجاه بعض المتأولين –وبعضهم من أهل الخير والدعوة- الذين نطقوا بأقوال موهمة هي في أقصى حمولاتها التفسيرية لا تصل لمرحلة الكفر الصريح) فأين يصل ما يقرره هذا (البعض) من تقرير الأستاذ نواف في مدّ هامش الحريّة للمنافقين يشتمون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطعنون في عدالته ودينه، ويغمزون في الإسلام وقيمه وأصوله، جهاراً نهاراً، وكلّ هذا بنصوص القرآن الكريم!

    وإذا ختمه الكاتب الكريم مقالته بأن الموضوع (يستحق مزيداً من البحث والتأمل في دلالات النصوص ومراد الشارع) فإني أشعر أن الموضوع لا يحتاج لشيء سوى أن يلتزم القائل بما يقول، فإذا كان دليله يقرر شيئاً فعليه أن يعلنه ويوضّحه، وإذا أعلن الكاتب أن النظام الإسلامي سيحمي شاتم الرسول والطاعن في عدالته وتقواه فلن يكون خلف بعد هذا القول من الشناعة أمر يحتاج لتأمل أو بحث.

    أقف هنا، وأحمد الله وأصلّي وأسلم على رسول الله،
    ودمتم بخير.

    مجلة العصر
    23/6/1431هـ

     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    د.فهد العجلان
  • مقالات
  • السياسة الشرعية
  • سيادة الشريعة
  • محاضرات مفرغة
  • معركة النصّ
  • الفروق الفيسبوكية
  • المؤلفات
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية