بسم الله الرحمن الرحيم

رمضان محطة سفر إلى الجنة (2)

 

رمضان محطة سفر إلى الجنة! (1)

العَشْرُ وليلةُ القدر

عَمَّنْ تُصَفَّدُ الشَّيَاطِينُ؟

لا تيأس من رحمة ربك مهما كثرت ذنوبك!

لِمَنْ تفتح أبواب الجنة، و عَمَّنْ تُغْلَّقُ أبوابُ النَّار؟

بادر بالتوبة قبل فوات الأوان

إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به.

 

عَمَّنْ تُصَفَّدُ الشَّيَاطِينُ؟

روى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان رمضان، فتحت أبواب الرحمة وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين) [البخاري (1800) ومسلم (1079) واللفظ له.
وساقه الإمام أحمد، بلفظ (قد جاءكم رمضان، شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، ويغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها) [المسند (7148)]
وسياق النسائي قريب من سياق الإمام أحمد. [سنن النسائي (2106)
ورواه الحاكم بلفظ: (إذا كان أول ليلة من رمضان، صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار) المستدرك على الصحيحين (1532) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة" ورواه الترمذي بنفس السياق، إلا انه زاد بعد قوله: (ولله عتقاء من النار) : (وذلك كل ليلة) سنن الترمذي (682)]
في هذه الأحاديث ثلاث مسائل رئسة:
المسألة الأولى: أن الله يفتح في أول ليلة من شهر رمضان أبواب الرحمة، أو الجنة.
المسألة الثانية: أنه تعالى يغلق أبواب جهنم.
المسألة الثالثة: أنه يسلسل الشياطين، ومردة الجن.

وسنبدأ في هذه الحلقة بالمسألة الثالثة (تصفيد الشياطين)

ولسنا نريد الدخول فيما قيل من أن تصفيدهم وسلسلتهم، حقيقة أو مجاز، فالمراد على كلا الرأيين، أن الله تعالى يخفف من شر الشياطين ووسوستهم في صدور المؤمنين، إعانة لهم على صيام رمضان وقيامه، والاجتهاد في الإكثار من الطاعات، ومجاهدة النفس على ترك المعاصي... هذا هو المعنى المراد من تصفيد الشياطين... و الله اعلم. و "التصفيد" معناه في اللغة شَدُّ الأصفاد، وهي القيود والأغلال، في أيدي المسجونين وأرجلهم...

ويورد العلماء في هذه المسألة إشكالا، وهو أن كثيرا من المسلمين، يرتكبون المعاصي في شهر رمضان الذي تصفد فيه الشياطين، وقد لا يصوم بعضهم الشهر نفسه، قال الحافظ ابن حجر: "وقال القرطبي -بعد أن رجح حمله على ظاهره-: "فإن قيل كيف نرى الشرور والمعاصى واقعة في رمضان كثيرا، فلو صفدت الشياطين، لم يقع ذلك؟
فالجواب أنها إنما تغل عن الصائمين الصومَ الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه. أو المصفد بعض الشياطين، وهم المردة، لا كلهم...أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس، فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية.. " [فتح الباري (4/115)].
ويبدو أن ما ذكره القرطبي رحمه الله "أنها إنما تغل عن الصائمين الصومَ الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه" هو جواب سليم.

ونحن نرى أثر تصفيد الله تعالى الشياطين في هذا الشهر، واضحة في سلوك المسلمين، كل منهم بقدر ما يبذل من الاجتهاد في طاعة الله، والبعد عن معصيته، فالمسلم المجتهد في طاعة الله في غير رمضان، يزيد اجتهاده في رمضان، والمسلم الذي يسدد ويقارب ويكون منه تقصير في غير رمضان، يكون في رمضان أكثر تسديدا ومقاربة، وأقل تقصيرا فيه، والمسلم الذي يكثر فسقه في غير رمضان، يقل فسقه فيه.

أما المسلم الموغل في ترك الطاعات، المبالغ في ارتكاب الكبائر في غير رمضان، فإنه تجذبه في هذا الشهر الكريم عاملان:
العامل الأول: أجواء رمضان الإيمانية العبادية، التي يراها في عامة المسلمين، في المنازل و الأسر، وفي الشوارع والأسواق التي تختفي فيها المطاعم والمشارب في النهار، وفي المساجد والجوامع التي تمتلئ بالمصلين في الليل والنهار.

العامل الثاني: نفسه الأمارة بالسوء التي تشده إلى ما ألفته من الوقوع في حمأة الشر والفساد، والشيطان الذي يسوس في صدره، ويغريه بالاستمرار في بسلوك سبله التي كان يسلكها في غير رمضان، و شهواته التي تدعوه إلى تناول ما ألف التلذذ به منها...

وهذا الصنف من الناس، يحتاج إلى إرادة قوية، وعزم شديد، ونية صادقة، ليرجح كفة العامل الأول، ولجوء إلى الله تعالى ليعينه على التغلب على هزيمة جيوش العامل الثاني، فإن انتصر على أعدائه نال حظه من تصفيد الشياطين، وفاز بالخير العميم في شهر رمضان.
وإن هزم في هذه المعركة، بقي أسيرا لشيطانه ونفسه وهواه، وحرم فرص نفحات هذا الشهر الكريم.

ولمزيد من الإيضاح نقول: إن الله تعالى ذكر في كتابه، أنه أنزل كتبه السابقة، وأنزل كتابه القرآن، هدى للناس، ولكن كثيرا من الناس، لم يهتدوا بالكتب السابقة، ولا بالقرآن الكريم، وهذا يدل على أن من أراد الهداية في كتب الله المنزلة في عهد رسله السابقين، وجدها وعبد الله فكان مهتديا فعلا، ومن أراد الهداية في كتاب الله "القرآن" وجدها فيه وعبد الله تعالى، فكان مهتديا بالفعل، وأن من لم يرد الهداية الموجودة في كتاب الله، لم يكن من المهتدين بالفعل، مع أنها متاحة له لو أراد....

قال تعالى: ((الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4) [آل عمران]
فهو تعالى أنزل التوراة والإنجيل (هدى للناس) في عهد موسى وعيسى، عليهما السلام، ولكن المهتدين بهما فعلا قليل.

وقال تعالى: ((شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس البقرة (185)
وهاهو القرآن الكريم قد بقي محفوظا، يحمل الهدى لكافة الناس، ومع ذلك لم يهتد به فعلا إلا القليل من بني البشر
ولهذا خص سبحانه من انتفع بهذا القرآن واهتدى بهداه في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ((ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)) [البقرة(2) البقرة
والمقصود من هذا أن الله تعالى يوجد ما ينفع الإنسان ويدعوه إلى الانتفاع به، وينقسم الناس قسمين: قسم يستجيب لدعوة الله وينتفع بما أوجده لنفعه، وقسم يرفض دعوة الله ولا ينتفع بما أوجده لنفعه.

ومن هذا الباب تيسير الله تعالى لعباده المؤمنين سبل طاعته، وتسهيله لهم ترك معصيته، في هذا الشهر الكريم، بتصفيده الشياطين الذي يضلون عباد الله، الذي دعاهم إلى الانتفاع بهذا التيسير والتسهيل، فمن لبى دعوته، واستعان به وجاهد نفسه وهواه وشيطانه، انتفع بما يسره الله له، ومن أبى إلا التمرد على طاعة الله، واستمر مطيعا للشيطان، فهو الذي جنى على نفسه وحرمها من فرصة سانحة متاحة.

فصار من اغتنم تصفيد الشياطين واجتهد في طاعة ربه، بمنزلة من اهتدى بالقرآن، ومن تجاهل ذلك واستمر في غيه، بمنزلة من أبى الاهتداء بالقرآن، فيصح أن يقال: إن الشياطين إنما صفدت لمن يرغب في طاعة الله وترك معصيته، ولم تصفد لمن أصر على الاستجابة لها، كما صح أن يقال: إن القرآن هدى لمن اتقى الله وسعى في طاعته، وليس هدى لغيره ممن كفر به.

ومعلوم أن الهدى قسمان: هدى دلالة وإرشاد وهو بمعنى البيان، وهذا شامل لكل الناس، فالقرآن يهديهم ويدلهم على الحق ويبينه لهم ويدعوهم إليه، ويهديهم ويدلهم على الباطل، أي يبينه لهم، الباطل، ويحذرهم منه، فيهتدي به فعلا من استجاب، ويحرم من هدايته من استكبر وأبى.

ولنضرب مثالا يوضح الأمر: لو أن جبارا في الأرض، جمع الناس في سجن كبير وكبلهم بالأغلال والأصفاد، وأحاط السجن بحراس شداد، يمنعون المسجونين من الخروج، ويسومونهم سوء العذاب، ثم هيأ الله لهم أميرا رحيما أقوى من ذلك الجبار، ومعه جنود أقوياء يطيعون أمره، فأمر هم بطرد حراس السجن وفتح أبوابه، ثم أمر مناديا ينادي من في السجن: أن اخرجوا فأنتم أحرار طلقاء، فاغتنم الفرصة من يريدون العزة والحرية وخرجوا، وأبى آخرون ممن ألفوا الذل والهوان، وأصروا على بقائهم في سجن ذلك الجبار، ألا يصح أن يقال: إن أبواب السجن فتحت للجميع، باعتبار أن الفرصة أتيحت لهم، ويقال: إن أبواب السجن إنما فتحت لمن خرجوا، باعتبار أنهم هم الذين استفادوا منه فعلا؟ وعلى هذا قس تصفيد الشياطين، واعرف من صفدت لهم حقيقة.

وهل ينتصر على عدوه وهو قاعد؟

معلوم أن الشيطان عدو لآدم وذريته، وعداؤه للإنسان قديم، إذ لم يوجد الإنسان إلا كان الشيطان بجانبه، يحسده على الخير الذي آتاه الله، ويدبر له المؤامرات، ويكيد له المكائد ويغريه بالمعاصي، ويزين له الابتعاد عن طاعة الله ورضاه.
وهو مُصِرٌّ على مواصلة العداء والإضلال، وهو ملازم للإنسان ملازمة مستمرة، في كل مكان وزمان، وله أساليب متنوعة في الإضلال، الإغواء وقلب الحقائق حتى يُرِىَ الإنسانَ الحقَّ باطلا والباطلَ حقاً، ويتخذ أنواعا من التهديد والتخويف التي يرعب بها الإنسان، ليثنيه عن طاعة الله، ويوقعه في معصيته. إنه الشيطان!

وقد أبان الله لخلقه تلك العداوة، وحذرهم من عدوهم غاية التحذير، وأمرهم أن يتخذوه عدوا كما اتخذهم هو أعداء، والقرآن مليء بالآيات المحذرة منه، وقد ذكرت شطرا منها مع التعليق على بعض معانيها في كتاب "الجهاد في سبيل الله-حقيقته وغايته"
ومنها قوله تعالى: ((يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور، إن الشيطان لكم عدوٌ فاتخذوه عدوا، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير)) [فاطر: 5ـ6].
وقال تعالى: ((ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين)) [البقرة (208)]

ولا ينتصر العدو على عدوه وهو قاعد، بل لا بد من أن يدفع عن نفسه، بكل وسيلة متاحة لمجاهدته، ولهذا نرى الحيوانات في الغابات والقفار يقاتل بعضها بعضا، هجوما ودفاعا، وقد يقضي القوي على الضعيف، أو يطرده من الأرض التي يسيطر عليها، وهكذا البشر، من لم يتخذ أسباب القوة، لا يعيش إلا ذليلا مهانا، ومن لم يرهب عدوه أرهبه.
قال تعالى: ((وإما ينـزغنك من الشيطان نـزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم، إن الذي اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون)) [الأعراف (200، 201)]

فَدَفْعُ الإنسانِ أذى عدوه إبليس، لا يكون بالسيف والرشاش والصاروخ، وإنما يكون بالاستجابة لأمر الله وطاعة رسوله، والالتجاء إلى الله تعالى والاستعاذة به منه، والإكثار من ذكر الله. فإذا لم يتخذ الإنسان هذا السلاح لمحاربة هذا العدو، صرعه ولا بد.
ثم إن الشياطين التي توسوس في صدور ابن آدم، ولا يسلم منها المؤمن إلا بالاستعاذة بالله من وسواسها، هذه الشياطين تكون من الجن والإنس، ولهذا منح الله خلقه من الناس سورة سميت باسمهم: "سورة الناس" وفيها أمر الله تعالى رسوله، وهو قدوة أمته، بالاستعاذة من القسمين: ((قل أعوذ يرب الناس. ملك الناس. إله الناس. من شر الوسواس. الخناس. الذي يوسوس في صدور الناس. من الجنة والناس.))
والشياطين، ليس لهم سلطان على عباد الله المؤمنين الحريصين على طاعة الله وترك معصيته، أما من آثر تولي الشياطين، على ولاية الله، فإن الله تعالى يكله على من تولاه، فيكون له عليه سلطان، ويكون سلطانه عليه بقدر توليه إياه، كما قال تعالى:
((فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون)) (100) [النحل]
وعلى ضوء ما مضى ينبغي أن نفهم معنى تصفيد الله للشياطين في هذا الشهر الكريم.


لِمَنْ تفتح أبواب الجنة، و عَمَّنْ تُغْلَّقُ أبوابُ النَّار؟

نعود مرة أخرى إلى الآية الكريمة التي فرض الله فيها صيام شهر رمضان على المؤمنين، للتذكير بأن من أهم ما يثمره الصيام في الصائمين، تقوى الله عز وجل، كما قال تعالى: (( ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)) [البقرة (183)]

ونعيد كذلك التذكير بالحديث الذي بشر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، بفتح أبواب الجنة وغلق أبواب النار في شهر رمضان:

روى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان رمضان، فتحت أبواب الرحمة وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين) [البخاري (1800) ومسلم (1079) واللفظ له.

ثم نستفتي القرآن الكريم، في المؤهلات التي تفتح بها أبواب الجنة، وتغلق بها أبواب النار.

وسنجد أن التقوى التي يجنيها الصائمون من صيامهم، هي خلاصة المؤهلات لدخول الجنة، والنجاة من النار، في كل الأوقات، ومن باب أولى في هذا الشهر الكريم....
وقد تكرر ذلك كثيرا في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى في الآيات الآتية:
((إن المتقين في جنات وعيون)) [الذاريات (15)]
((تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا)) [مريم (63)]
((وأزلفت الجنة للمتقين)) [الشعراء (90)]
((وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين)) [الزمر (73)[
((مثل الجنة التي وعد المتقون)) [محمد (15)]
((وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد)) [ق (31)]
((وإن للمتقين لحسن مآب(49)جنات عدن مفتحة لهم الأبواب)) [الذاريات (50)]

وقد جمع الله تعالى للمتقين، دخول الجنة وما فيها من نعيم، والوقاية من النار، فقال تعالى:
((إن المتقين في مقام أمين (51) في جنات وعيون (52) يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين (53) كذلك وزوجناهم بحور عين (54) يدعون فيها بكل فاكهة آمنين (55) لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم(56)

ومعلوم أن التقوى هي طاعة الله تعالى، بفعل ما أمر، وترك ما نهى عنه وزجر، ويدخل في ذلك، فعل الواجبات والمندوبات، وترك المحرمات والمكروهات، وفعل المباحات، أو تركها تقربا بذلك إلى الله تعالى، وهذه هي الأحكام التكليفية التي ذكرها العلماء في كتب أصول الفقه...

كما يكثر في القرآن الكريم، أن الإيمان والعمل الصالح، هما المؤهلان لدخول الجنة، والعمل الصالح هو التقوى، والإيمان أساسهما، قال تعالى:

((وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون)) [البقرة (25)]
وكثيرا ما يفصل القرآن الكريم، مؤهلات أهل الجنة الناجين من النار، فعلا وتركا، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:
((قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) والذين هم عن اللغو معرضون (3) والذين هم للزكاة فاعلون (4) والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (8) والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون)) (11) [المؤمنون]

وينبغي أن يعلم أن الحد الأعلى للتقوى والإيمان والعمل الصالح، هو ما سبق من فعل المسلم الواجبات والمندوبات، وترك المحرمات والمكروهات، وفعل المباحات أو تركها، تقربا إلى الله تعالى. وهؤلاء هم السابقون بالخيرات.
وأن الحد الأدنى للتقوى الذي يستحق به صاحبه الجنة والنجاة من النار، بفضل الله ورحمته، هو فعل الواجبات، وترك المحرمات، وهؤلاء هم المقتصدون في طاعة الله، بحيث لا يحرصون على فعل المندوبات، وترك المكروهات...

ومع ذلك فإن رحمة الله تعالى تشمل من يفرط في ترك بعض الواجبات، وارتكاب بعض المحرمات، ما سلم من الشرك بالله، وهؤلاء هم الظالمون لأنفسهم.
وقد شمل هذه الأصناف الثلاثة، قوله تعالى: ((ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير)) [فاطر (33)]

فالجنة يفتح الله أبوابها لطالبيها،والنار يغلق الله أبوابها للهاربين منها، وطلب الأولى والهرب من الثانية، إنما يكونان بالإيمان والعمل الصالح وتقوى الله الشاملة لفعل الواجبات وترك المحرمات.
ولهذا جاء في بعض ألفاظ حديث أبي هريرة، رضي الله عنه: بعد ذكر فتح أبواب الجنة، وغلق أبواب النار: (ونادى مناد: يا باغيَ الخير أقبل، ويا باغيَ الشر أقصر).
ومن فضل الله تعالى على أمة محمد أنهم جميعا يدخلون الجنة، إلا من حرم نفسه منها، فأبى دخولها، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى) قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) [البخاري رقم (6851)]
وقد خص الله تعالى الصائمين، بباب من أبواب جنته الثمانية، لا يدخله غيرهم، إكراما منه تعالى لهم، كما في حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون) [البخاري رقم (3084) ومسلم (1152)]
وفي لفظ (ومن دخله لم يظمأ أبدا) [الترمذي (765) و قال: هذا حديث حسن صحيح غريب)] قال الحافظ: "وهو مما وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه، لأنه مشتق من الري، وهو مناسب لحال الصائمين،وسيأتي أن من دخله لم يظمأ" [فتح الباري (4/11)]

وفي ذلك فليتنافس المتنافسون
إن من أعظم نعم الله على عبده المؤمن، أن يجتهد في عبادة ربه، كل باب من أبواب الخير: الصلاة، والصيام، والزكاة والصدقة، والحج، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذكر، وصلة الرحم، وتلاوة القرآن، وقيام الليل، والاعتكاف...وبخاصة في الأوقات الفاضلة، مثل هذا الشهر المبارك "رمضان" لتجتمع له فضائل الأعمال، وينال من ربه تعالى رضاه وثوابه الجزيل.

وإن المسلم لجديرون بأن يغنموا فرصة فتح أبواب الجنة التي بشر بها الرسول صلى الله عليه وسلم، في هذا الشهر الكريم، بأن يتطلعوا لكل تلك الأبواب، ولا يقتصروا على باب واحد منها، اقتداء بالمصطفى صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الكرام، ومنهم خليفته الأول أبو بكر رضي الله عنه، الذي رجا له الرسول صلى الله عليه وسلم، ذلك الخير

كما في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله، دعي من أبواب –يعني- الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان) فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، وقال هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: (نعم وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر) [البخاري (3466) ومسلم (1027)]
((وفي ذلك فليتنافس المتنافسون))


إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به.

في بداية طلب العلم، كانت تعترض لي مشكلات كثيرة، في كثير من علوم اللغة العربية، والعلوم الإسلامية، ثم اتضح لي أن سبب كثير من تلك المشكلات، إنما هو قلة علمي، وضعف فهمي... وتقصيري في البحث والاطلاع على جهود علماء الإسلام، ممن أفنوا أعمارهم في فقه الإسلام، تعلما وتعليما، وكتابة وتأليفا، وغوصا في أعماق معاني القرآن والسنة، وعلوم الآلة المعينة على فهمهما، واستخراج درر المسائل وغررها، وإبرازها لطلاب العلم... صافية نقية، لذيذة شهية....

وما كنت أرجع إلى كتب فقهاء الإسلام [في أي علم من العلوم] لأسألهم عن مسألة إلا وجدت عندهم جوابها، وما رجعت من عندهم خائبا – غالبا - إلا بسبب عجلتي وضعف صبري على البحث والتنقيب...

ولا زالت المشكلات تعرض لي إلى الآن، وقد مضى لي في طلب العلم ما يقارب خمسين عاما، ولا أزال أكتشف إلى ألان عجلتي في البحث وضعف صبري،،،،،

وأضرب لذلك مثالا بالموضوع الذي بين أيدينا اليوم،،، فقد أشكل علي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به)
وسبب الإشكال أن نصوص القرآن والسنة، دلت على أن عمل ابن آدم كله لله، وهو معنى "الإخلاص" الذي دلت نصوص كثيرة على وجوبه، بصفة عامة في كل العبادات، كما قال تعالى: (( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين))
وقوله تعالى: ((إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت...)).
ودلت نصوص أخرى على وجوبه في عبادات بعينها، كما في الصلاة التي تفتح بتكبيرة الإحرام الدالة على، المصلي إنما يؤدي صلاته لله.
وكما في الحج والعمرة اللذين يدخل الحاج والمعتمر فيهما بالتلبية: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)
وكما في الجهاد الذي قيد في القرآن والسنة بهذا القيد: "في سبيل الله"

فكيف يخص الله الصيام وحده بأنه له (إلا الصيام فإنه لي...)؟
ورجعت إلى فقهاء الإسلام، أطلب منهم حلا لهذا الإشكال، فوقعت عيني على العبارات الآتية:
"وإنما خص الصوم بأنه له وإن كانت العبادات كلها له لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات:
أحدهما: أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لا يمنع منه سائر العبادات.
الثاني: أن الصوم سر بين العبد وبين ربه لا يظهر إلا له، فلذلك صار مختصا به، وما سواه من العبادات ظاهر ربما فعله تصنعا ورياء، فلهذا صار أخص بالصوم من غيره هذا" [تفسير القرطبي (2/273)] وتكرر هذا المعنى في كثير من كتب التفسير، وشروح الحديث، وكتب الفقه....
ولم يُزِلْ هذا الجوابُ الإشكال الذي عرض لي، لأن الصائم يستطيع أن يظهر للناس أنه صائم، تصنعا ورياء، بالقول، فيقول: أنا صائم، وبالحال، حيث يمسك عن الطعام والشراب وغيرهما في الظاهر، ويتسحر ويفطر مع الصائمين، فيعرفون أنه صائم...

ولهذا أكثرت من التفكير في حل هذا الإشكال، وشعرت بأنني وجدت الحل قبل سنة في وقت الإطار من إحدى ليالي رمضان....
وهو كما يأتي: استحضرت قوله تعالى: ((مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم)) [البقرة (261)]
وقوله تعالى: ((من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون)) [الأنعام (160)]

كما استحضرت حديث ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه عز وجل، قال: (إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك: فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة)). [البخاري رقم (6126) ومسلم رقم (131)]

الحل الذي فهمته، هو أن ثواب الحسنات، يكون مضاعفا عشر مرات، أو سبعين ضعفا، أو أضعافا كثيرة، غير محصورة، وهذه لا يعلم عدها إلا الله تعالى: ((والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم))

فهمت من قوله تعالى في الحديث الذي رواه الرسول صلى الله عليه وسلم، عن ربه: ((إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به) أن مضاعفة أجر الصيام مما استأثر الله تعالى به، فلا يعلمه العبد، وليس هو من الحسنات العشر، ومن السبعين، وإنما هو من الأضعاف الكثيرة غير المحصورة....
وكم كان فرحي بهذا الفهم الذي ظننت أنه لم يسبقني إليه أحد من العلماء....
وقد ذكرت ذلك لبعض طلابي، وطلبت منهم إبداء رأيهم في هذا الفهم، فأيدوه وسرهم ما وصل إليه أستاذهم...
ثم أخذت أفكر وأسأل نفسي: هل تظن أن فقهاء الإسلام في جميع العصور الماضية، غاب عنهم هذا الفهم وخصك الله تعالى به؟
ورجعت إلى الأحاديث التي ذكر فيها النص: (كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا الذي أجزي به)
وسجلت النصين الآتيين:
النص الأول: عن أبي هريرة رضي الله، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: كل عمل بن آدم له إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يسخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه) [مسلم رقم (1151)

والنص الثاني: أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إني صائم مرتين، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها) [البخاري رقم (1795)]

النص الأول لم يذكر مضاعفة الحسنة، والنص الثاني ذكر فيه مضاعفتها إلى (عشر أمثالها) بعد قوله: (الصيام لي وأنا أجزي به) فشعرت بأن في النص الثاني إشارة إلى أن الذي اختص به، هو علم أجر الصائم....

وقادني ذلك إلى الرجوع إلى فقهاء الإسلام، لمعرفة ما إذا كانوا قد فهموا ما فهمته، وأخذت أقرأ بصبر وتأن شروح الحديث، وبخاصة "فتح الباري" لابن حجر الذي، عرف بطول نفسه في جمع النصوص، وأقوال العلماء ...
فإذا هو ينقل عن البيضاوي النص الآتي: "وقوله: (إلا الصيام) مستثنى من محكي دل عليه ما قبله، والمعنى أن الحسنات يضاعف جزاؤها من عشرة أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فلا يضاعف إلى هذا القدر، بل ثوابه لا يقدر قدره ولا يحصيه الا الله تعالى، ولذلك يتولى الله جزاءه بنفسه، ولا يكله إلى غيره" [فتح الباري (4/110)]

أدب الطلب.
الهدف من سوق هذا المشوار: ثلاثة أمور:
الأمر الأول: نقل خبرتنا في طلب العلم سلبية كانت أم إيجابية، لإخواننا الطلبة، ليستفيدوا منها، فيأخذوا الإيجابي منها ويتركوا السلبي.

الأمر الثاني: وجوب تلقي طالب العلم علمه على أيدي علماء، تلقوه عن علماء سابقين، ولا يكتفي بقراءة الكتب، بدون شيخ يفقهه في الدين على أسس متينة، ويصقل عقله بفكر نير، ويعلمه أدب طلب العلم، ويكون له قدوة حسنة في العمل والخلق، لينال بركة العلم ويزينه بالعمل.
فهذا هو سبيل الرسالة النبوية، أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم الوحي عن جبريل، وتلقاه عنه أصحابه، وتلقاه عن أصحابه التابعون، ولهذا كان أهل هذا السبيل، سائرين على صراط مستقيم، بدون إفراط ولا تفريط.

وعندما انحرف عن نهجهم بعض الفرق، فأخذوا علمهم من الدفاتر والورق، وآثروا على حلقات العلم والعلماء، اعتلاء المنابر لقيادة الدهماء، ضلوا عن صراط الحق و الهدى، وأضلوا من قلدهم فغوى.........

ولهذا قال الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي رحمه الله:
"من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به، أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام.. وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات:
إحداها: العمل بما علم، حتى يكون قوله مطابقاً لفعله، فإن كان مخالفاً له، فليس بأهل لأن يؤخذ عنه، ولا أن يقتدى به في علم..
والثانية: أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم لأخذه عنهم، وملازمته لهم، فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا شأن السلف الصالح.
فأول ذلك ملازمة الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذهم بأقواله وأفعاله، واعتمادهم على ما يرد منه، كائناً ما كان، وعلى أي وجه صدر..

وصار مثلُ ذلك أصلاً لمن بعدهم، فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، حتى فقهوا ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية، وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالماً اشتهر في الناس الأخذ عنه، إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك. وقلما وجدت فرقة زائفة ولا أحدا مخالفا للسنة، إلا وهو مفارق لهذا الوصف" [الموافقات (1/91ـ95) بتحقيق الأستاذ محمد عبد الله دراز.

الأمر الثالث: الاطلاع على أقوال العلماء في مسائل الاجتهاد والخلاف، ومعرفة أدلتهم وأوجه استدلالهم، وحل ما يشكل على الطالب، لأن ذلك يوسع أفق طالب العلم، ويكسبه القدرة على فقه النصوص، ويجعله يعرف قدر أهل العلم والأدب معهم، و يعرف قدر نفسه كذلك، فلا ينصب نفسه ندا لأكابر العلماء، والحال أن الفرق بينهم وبينه كالفرق بين الأرض والسماء.

نسأل الله أن يفقهنا في دينه، ويوفقنا للعمل بما علمنا.

عن بن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه عز وجل، قال: (قال: إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك: فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة) [ البخاري رقم (6126) ومسلم رقم (131)

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كل عمل بن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك) [مسلم رقم (1151)

مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم البقرة (261)
من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون الأنعام (160)

تفسير القرطبي (2/273)
ويكفيك الآن منها في فضل الصوم أن خصة الله بالإضافة إليه في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مخبرا عن ربه يقول الله تبارك وتعالى عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به الحديث وإنما خص الصوم بأنه له وإن كانت العبادات كلها له لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات أحدهما أن الصوم يمتع من ملاذ النفس وشهواتها ما لا يمنع منه سائر العبادات الثاني أن الصوم سر بين العبد وبين ربه لا يظهر إلا له فلذلك صار مختصا به وما سواه من العبادات ظاهر ربما فعله تصنعا ورياء فلهذا صار أخص بالصوم من غيره هذا

الحافظ ابن حجر: فتح الباري (4/108)
وقد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى الصيام لي وأنا أجزى به مع أن الأعمال كلها له وهو الذي يجزي بها على أقوال أحدهما أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره حكاه المازري ونقله عياض عن أبي عبيد ولفظ أبي عبيد في غريبه قد علمنا أن أعمال البر كلها لله وهو الذي يجزي بها فنرى والله أعلم أنه إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من بن آدم بفعله وإنما هو شيء في القلب ويؤيدها هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم ليس في الصيام رياء حدثنيه شبابة عن عقيل عن الزهري فذكره يعني مرسلا قال وذلك لأن الأعمال لا تكون الا بالحركات الا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى عن الناس هذا وجه الحديث عندي انتهى وقد روى الحديث المذكور البيهقي في الشعب من طريق عقيل وأورده من وجه آخر عن الزهري موصولا عن أبي سلمة عن أبي هريرة وإسناده ضعيف ولفظه الصيام لا رياء فيه قال الله عز وجل هو لي وأنا أجزى به وهذا لو صح لكان قاطعا للنزاع وقال القرطبي لما كانت الأعمال يدخلها بالرياء والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله الا الله فاضافه الله إلى نفسه ولهذا قال في الحديث يدع شهوته من أجلي وقال بن الجوزي جميع العبادات تظهر بفعلها وقل أن يسلم ما يظهر من شوب بخلاف الصوم وارتضى هذا الجواب المازري وقرره القرطبي بان أعمال بني آدم لما كانت يمكن دخول الرياء فيها اضيفت إليهم بخلاف الصوم فإن حال الممسك شبعا مثل حال الممسك تقربا يعني في الصورة الظاهرة قلت معنى النفي في قوله لا رياء في الصوم أنه لا يدخله الرياء بفعله وأن كان قد يدخله الرياء بالقول كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الأخبار بخلاف بقية الأعمال فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها وقد حاول بعض الأئمة الحاق شيء من العبادات البدنية بالصوم فقال أن الذكر بلا إله الا

ونقل عن البيضاوي قوله:؟؟؟؟؟؟
وقوله الا الصيام مستثنى من محكى دل عليه ما قبله والمعنى أن الحسنات يضاعف جزاؤها من عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف الا الصوم فلا يضاعف إلى هذا القدر بل ثوابه لا يقدر قدره ولا يحصيه الا الله تعالى ولذلك يتولى الله جزاءه بنفسه ولا يكله إلى غيره الفتح (4/110)

شرح النووي على مسلم(8/29)
وقيل معناه أنا المنفرد بعلم مقدار ثوابه أو تضعيف حسناته وغيره من العبادات أظهر سبحانه بعض مخلوقاته على مقدار ثوابها

أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثم الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب ثم الله تعالى من ريح المسك يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي الصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشر أمثالها) البخاري (1795)


العَشْرُ وليلةُ القدر

إذا أحب الإنسان شيئا، حرص على عدم مفارقته، وجد و اجتهد في مصاحبته، وحاول استغلال كل وقت يمكنه الاستفادة منه، فإذا علم أن محبه مفارقه ولا بد، زاد حرصه على مصاحبته، واشتد اجتهاده في أخذ أقصى ما يستطيع الحصول عليه منه مما يفيده وينفعه.

والمرء مع من أحب ، كما عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المرء مع من أحب) [مسلم، رقم (5817)]

وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، المسلم بالحرص على ما ينفعه، كما روى أبو هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (.... احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز...) [مسلم رقم (2664)]

ومن هنا كان الرسول صلى الله عليه وسلم، يجتهد في العشر الأخير من شهر رمضان، ويحرص على العمل فيهن، أكثر من غيرهن من الليالي التي سبقتهن، رغبة على المزيد من الخير في هذا الشهر قبل تَصَرُّمه، وعلى الليلة العظيمة التي دلت الأحاديث الصحية على أنها أكثر رجاء في العشر الأواخر المباركة منه.
ومعلوم فضل العمل في العشر الأواخر، وفي ليلة القدر، ففي هذه الليلة نزل كتاب الله الهادي، وهذه الليلة هي إحدى تلك الليالي العشر:
قال تعال: ((((شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان)) [البقرة (185)]
وقال تعالى: ((إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين)) [الدخان (3)]
وقال تعالى: ((إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة القدر (2) ليلة القدر خير من ألف شهر (3) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) سلام هي حتى مطلع الفجر (5) [القدر]

روت عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا دخل العشر، شد مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله" [البخاري رقم (1920) ومسلم، رقم (1174)]

كما روت عائشة – أيضا - رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (تحروا ليلة القدر، في الوتر من العشر الأواخر من رمضان) [البخاري، رقم (1913) ومسلم، رقم (1169)]

ورو أبو هريرة رضي الله عنه، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه) [البخاري، رقم (35) ومسلم، رقم (404)]

أي ربح وأي خسارة؟!

شهر أنزل فيه القرآن، تضاعف حسناته، أمر بصيامه وقيامه، وعشر في ذات فضل خاص في شهر رمضان، خصها الرسول صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد في العبادة أكثر من غيرها من ليالي الشهر، وأمر المسلمين بالاقتداء به في الاجتهاد فيها، وفي هذه العشر ليلة هي خير من ألف شهر، وأمر الرسول صلى الله أمته بتحري هذه الليلة والحرص على موافقتها.

الشهر كاد ينصرم، والعشر بدأت تولي، والليلة مبهمة في العشر، وإن كانت أوتارها أكثر رجاء، وليلة السابع والعشرين، أقرب....ولكنها ليست قطعية.
شهر هذا موضعه من الفضل، وعشر تلك مزيتها منه، وليلة لا توجد إلا مرة واحدة في السنة كلها.....

كم سيربح المسلم الصادق الذي صام هذا الشهر إيمانا واحتسابا؟ وكم سينال من رضا الله ورحمته، من قام لياليه إيمانا واحتسابا؟ وكم من الحسنات التي سيكتبها الله لمن وافق الليلة المباركة فيه، وهو مقبل على ربه خاشع خاضع متذلل، يرجو رحمته ويخاف عذابه، ويناجيه بالدعاء: (اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني)؟

((خير من ألف شهر)) لم يقل: إنها كألف شهر، بل قال :((خير من ألف شهر)) وهي خيرية مطلقة، قد لا يكون للعدد فيها مفهوم كما يقول علماء الأصول، أي قد تكون خيرا من آلاف الشهور، وكلما كان العبد أشد إخلاصا لله، وأكثر إقبالا عليه، كان فضل الله عليه أوسع، وإذا كان أجر العمل هذا الشهر لا يحصيه إلا الله، فإن للعشر الأواخر فيه خصوصيتها، وفي الليلة المباركة فيه مزيتها....

إن المسلم الذي صام ما مضى من رمضان إيمانا واحتسابا، وقام ما مضى من لياليه إيمانا واحتسابا، وشد مئزره في العشر الأواخر من شهر رمضان، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحرى الليلة المباركة في هذا الشهر، حرصا على فضلها وترقبا لمشاركة الملائكة المقربين الذين يتنزلون فيها، وامتثالا لأمر رسوله وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، بتحريها في هذه العشر، إن المسلم الذي يفعل ذلك لجدير برحمة الله ومغفرته، وعتقه من النار..

ولهذا قطع النبي صلى الله عليه وسلم علائقه المعتادة، في شهر رمضان، وكان للعشر الأخيرة منه حظها الأوفر من الإيثار، فجاور فيها ربه حتى لحق بالرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم.

وإن المسلم الذي فرط في العشرين من الشهر المبارك، ثم وفقه الله تعالى، لتدارك ما فات، فشمر عن ساعد الجد، وأقبل إلى الله بإرادة قوية، وإخلاص كامل، فصام إيمانا واحتسابا، وقام إيمانا واحتسابا، وندم على الخير الذي فاته أشد الندم، وتضرع على الله بالدعاء أن يعوضه عن ذلك بعفوه ومغفرته، وعمله الجاد فيما بقي من الشهر، قد يلحق من سبقه، والأعمال بالخواتيم...

وهي فرصة يجب أن يغنمها المفرطون في عبادة الله، في شهر رمضان وفي غيره من الشهور، فقد تتنزل عليهم رحمة الله وعفوه وتوفيقه، فيتوب عليهم، ويهديهم للحرص على عبادته وطاعته وترك معاصيه، حتى يلقوه....

أما من أغواه الشيطان في نهار رمضان، فلم يصمه، وبال في أذنه في لياليه، فلم يقمها، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيمن يبيت ليله نائما لا يقوم للصلاة [صحيح البخاري، رقم (1093) من حديث ابن مسعود]
فإن مَن هذه حاله جدير ببعده من ربه وسخطه عليه، وحرمانه من عفوه ورحمته ومغفرته، وجدير بالقرب من عدوه إبليس وضلالته... ((ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور)) [سورة النور(40)] ((من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا)) [الكهف (17)]

فأي ربح يناله من اجتهد في عبادة ربه في هذا اشهر الكريم، وخص العشر الأواخر منه، بالمزيد من الاجتهاد، وتحرى الليلة المباركة في هذه العشر؟
وأي خسارة لمن فرط في هذا الشهر حتى خرج، وهو مصر على تفريطه؟

وقد أكد جبريل عليه السلام، خسارة من أضاع العمل في هذا الشهر الكريم، تأكيدا يوجب له الحسرة، ويورثه الندم، فدعا عليه وعلى من عق والديه، وعلى من جفا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يصل عليه، إذا ذكر عنده، دعا عليه ثلاثا، وأكد ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث أمن على دعاء جبريل.
فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقي المنبر، فقال: آمين، آمين، آمين) فقيل له: يا رسول الله ما كنت تصنع هذا؟ فقال: (قال لي جبريل أرغم الله أنف عبد أو بَعُد، دخل رمضان فلم يغفر له، فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف عبد أو بَعُد، أدرك والديه أو أحدهما لم يدخله الجنة، فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف عبد أو بَعُد، ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت: آمين). صحيح ابن خزيمة، برقم (1888) وصحيح ابن حبان(907) و رواه جابر بن سمرة، ذكره في مجمع الزوائد، وقال: "رواه الطبراني بأسانيد وأحدها حسن ولهذا الحديث طرق في الأدعية في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم" (8/139)


لا تيأس من رحمة ربك مهما كثرت ذنوبك!

تصور أن ملكا ظالما جبارا قويا، لا يتردد في إيذاء من يريد من رعيته، بأي نوع من أنواع الإيذاء بحق وبدون حق: السجن والاعتقال، الضرب المبرح، غصب الأموال، تخريب الديار، تشريد الناس ونفيهم.

وقد قرب إليه بعض الفقراء الخاملين الضعفاء من رعيته، فرفع منزلته، بما أغدق عليه من الأموال، وبما منحه من الجاه والسلطان، ووضع له منهجا يسير عليه في تصرفاته، بحيث لا يتعدى الحدود التي رسمها له...

ولكن الرجل طغى وأعطى نفسه الحق في الخروج على ما حدده له الملك، وبالغ في عصيانه إلى الحد الذي اعتدى فيه على بعض أقارب الملك، بالقتل والسخرية والإهانات، وعلى أمواله، بالسلب والنهب والسرقة، وعلى عرضه بالقذف والسب....
وأصدر ذلك الملك أوامره لرجال شرطته وجيشه واستخباراته بالقبض عليه، لينزل به ما يشفي غيظه من العقوبات، فلم يتمكن من القبض عليه، لقدرته على الاختفاء والهرب...
ثم بدا لهذا الرجل أن يعود إلى الملك الجبار الظالم، مستسلما له طالبا عفوه ورحمته.

تُرَى ماذا سيكون مصير الرجل عند هذا الملك الجبار؟
هل تظنه سيعفو عنه؟ أو تظنه سيوبخه ثم يطرده من عمله ويكتفي بذلك؟ أو تظنه سيأمر بضربه وإهانته ثم يدعه وشأنه؟
كلا! إنه سينزل به من الإهانات والخزي أمام الملأ، ما لم يكن يتصوره الرجل ولا غيره من الرعية، وقد يصلبه بعد الضرب والإهانات، وهو حي في أكبر ميادين بلده، حتى يموت، ليراه الناس بتلك الحال، وقد يأمر بتقطيعه إرْبا إرباً.
هذا مثال واحد يوضح شأن مواقف الجبارين، في ولاياتهم، ممن خرج عن طاعتهم، وجنى عليهم.

بل إن الجبارين ليعتدون على من خالفهم – وإن كان على حق - بكل أنواع العدوان، من ضرب وسجن وحرق ورجم و طرد وقتل، كما فعلت الأمم السابقة مع الأنبياء والرسل، حتى لو طلب أهل الحق المهادنة بين الفريقين، حتى يحكم الله بينهم، فلا يرضون بالمسالمة والمهادنة، إلا بإكراه أهل الحق على ترك دينهم والدخول في ملة الكفر.

ومن أمثلة ذلك ما بينه الله تعالى من موقف قوم شعيب منه، في قوله تعالى:
((وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين(87)قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين)) [الأعراف (88)]
والأمثلة كثيرة جدا، في القرآن وفي السنة، و في قصة أصحاب الأخدود عبرة.
هذه طبيعة جبابرة المخلوقين.

فكيف يستقبل الله تعالى الجبار القادر على قصم كل جبار من المخلوقين، مَن رجع إليه نادما، طالبا عفوه ورحمته، وقد ارتكب كل أنواع المعاصي التي نهاه عنها، من أكبر الكبائر الذي هو الشرك الأكبر، إلى أصغرها، كوضع قليل من الأذى في طريق الناس؟

وقبل الإجابة على هذا السؤال، ينبغي أن يلتفت الإنسان إلى الوراء، ليتذكر نعم الله تعالى عليه، ابتداء من إيجاده بعد العدم، ومرورا بكل أطوار حياته، التي لا يجد نفسه في أي لحظة من لحظات عمره، مستغنيا عن فضل الله عليه، ونعمه التي لا يحصيها إلا هو تعالى:
((هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا)) [الإنسان (1)]

((وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم... (18)... وما بكم من نعمة فمن الله (53)... والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون)) (78) [ الآيات كلها من سورة النحل]

وقد اختصر القرآن الكريم للإنسان رحلته في الدنيا والآخرة، في خمس آيات من كتابه، فقال:
((ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (14) ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (16) [المؤمنون]

هذا الإنسان الذي تلك حاله، ينسى ربه الذي أوجده من العدم، وينسى نعمه التي لا حياة له بدونها، إضافة إلى نعمة هدايته إلى ما ينفعه في دنياه وآخرته، بإرسال رسله بوحيه، ينسى هذا الإنسان، خالقه ونعمه عليه، فإذا هو كما وصفه خالق: ((خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين)) [النحل (4)] ((أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين)) [(77) يس]

ومع ذلك ينادي الخالق العظيم، عبده الآبق المسرف في معاصيه، ليعود إليه بكل ذنوبه ومعاصيه، ليغفرها له، وينهاه عن القنوط واليأس من تلك المغفرة والرحمة، فقال تعالى:
((قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم)) [الزمر (53)]

ومعلوم عند أهل السنة والجماعة، أن جميع الذنوب، ما عدا الشرك بالله، هي تحت مشيئته تعالى، إن شاء غفرها وأدخل صاحبها الجنة، بدون أن يدخله النار، وإن شاء أدخله النار وعذبه ليطهره، ثم يدخله الجنة، كما قال تعال:
((إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما)) [النساء (48)]

ولكن المسلم العاقل الذي يعلم أن الله تعالى قد لا يغفر له ذنوبه، بل قد يعذبه بالنار، قبل أن يدخله الجنة، هذا المسلم يحرص على البعد عن معاصي الله، وإذا وقع في شيء منها، رجع إلى ربه فتاب توبة نصوحا، لينجو من العذاب، ويفوز بدخول الجنة ابتداء.
دعوة الله عبده إلى التوبة وفرحه بها

فقد دعا رسل الله تعالى قومهم، إلى التوبة، كما قال تعالى عن هود عليه السلام لقومه: ((ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين)) [هود (52)].

وقال تعالى عن صالح: ((وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب)) (61)]
وقال تعالى عن شعيب: ((واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود)) [هود (90)]
وأمر الله تعالى المؤمنين من هذه الأمة بالتوبة، فقال تعالى: ((وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير)) [هود (3)]
وقال تعالى: ((وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون)) [النور(31)]

وقال تعالى: ((ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير)) [التحريم (8)]

عبد الله بن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (لَلَّهُ أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن، من رجل في أرض دوية مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجعُ إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده) [البخاري (5950) من حديث أنس مختصرا، مسلم رقم (2744) واللفظ له، و"الدوية" بتشديد الدال المفتوحة، والياء المشددة: الأرض القفر.]


بادر بالتوبة قبل فوات الأوان

سبق أن الله تعالى يدعو عباده إلى التوبة ويفرح بها، وهي واجبة على جميع الناس، من جميع الذنوب، وتجب على الفور، ولا يجوز للعاصي تأخيرها.
قال تعالى: ((وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون)) [النور(31)]
وقال تعالى: ((ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا)) [التحريم (8) التحريم]

أليس فرح الله بتوبتك حافزا لك على الإسراع بالتوبة إليه من ذنوبك؟ ربك الذي خلقك ورزقك، وأسدى إليك كل نعمة في حياتك، تجاهره بالمعاصي، بترك ما أمرك به، وفعل ما نهاك عنه، ثم يدعوك إلى التوبة ويفرح بتوبتك، هل يليق بك أن تستمر في عصيانه، وتصر على سخطه؟!

ربك يريدك أن تفارق هذه الحياة وهو راض عنك، تأتيك ملائكة الرحمة عند قبض روحك.... فيقولون لها: اخرجي راضية مرضية، فتخرج تنتشر منها رائحة زكية كأطيب ريح المسك، ويناولها بعضهم بعضا فيشمونها، ثم يزفونها إلى أبواب السماء، وترحب بها في كل سماء ملائكتها، ويقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض! فكلما أتوا سماء قالوا ذلك، كما ترحب بها أرواح المؤمنين، فيفرحون بها أشد الفرح.

ثم تفوز في قبرك في الإجابة على أسئلة الملائكة التي تلخص تاريخ حياتك في الدنيا: "من ربك .... ما دينك .... من نبيك.. وما عملك؟ فتقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد رسول الله... وعملي: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة... فيأتيك من روحها وطيبها، ويفسح لك في قبره مد بصرك....
ويأتيك عملك في صورة رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد. فتقول له: من أنت فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح.

وعندئذ تتمنى أن تقوم الساعة، لتنال الفضل العظيم، والثواب الجزيل، وتلقى ربك الكريم، فتفوز بما كنت تقرأه في كتابه: ((وجوه يومئذ ناضرة إلى ربه ناظرة)) فتقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة.....

ثم يأتي يوم البعث والنشور والحساب، والجزاء فتؤتىكتابك بيمينك، وتنادي لشدة سرورك و فرحك مَن يقرأ كتابك: ((فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه (19) إني ظننت أني ملاق حسابيه (20) فهو في عيشة راضية (21) في جنة عالية (22) قطوفها دانية (23) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية)) (24) [الحاقة]
هذا ما يدعوك إليه ربك الذي يفرح بتوبتك، ويفتح لك أبواب جنته: ((والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)) [يونس(25)]

وإذا لم تستجب لدعوة ربك الذب بفرح بتوبتك، فلدعوة من تستجيب؟ وما مصيرك في الاستجابة لغير الله؟
((إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير)) [فاطر (6)]
((استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون)) [المجادلة (19)]

((يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (26) والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما)) (27) [النساء]

مجاهدة الأمل المهلك

إن الواجب على الإنسان أن يتوب إلى الله تعالى من المعصية، فور وقوعها منه، وإذا تمادى في الإصرار عليها، سواء كانت ترك واجب أو فعل محرم، فإثمه مستمر حتى يتوب منها.

وكثير من الناس قد تؤنبه فطرته يشعر بالندم على معصية ربه، ولكنه لا يقلع عنها، ممنيا نفسه بالتوبة في مستقبل عمره، ناسيا أنه قد ينام فلا يصحو من نومه، إلا في قبره عندما يستجوبه في قبره منكر ونكير، بل قد يخرج نَفَسُه في أي لحظة، فلا يعود إليه، لأن ملك الموت قبض روحه:

قال تعالى: ((الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)) [الزمر (42)]
وقال: ((وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون)) [الأنعام (61)]
وقال: ((فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)) [الأعراف (34)]
وقال تعالى: ((ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (2) ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون)) [الحجر (3)]

قد يقال: بعض هذه الآيات تتحدث عن الكفار، لا عن المسلمين، والجواب أن الأمر الجامع بين الكافر والمسلم، هو طول الأمل الذي يترتب عليه ندك كل منهما، مع ما عرف من التخليد للكافر في النار، ورجاء المغفرة للمسلم، أو تعذيبه، ثم إدخاله الجنة.

وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عبرة لمن كلما أسرع إليه أجله، طال أمله، فقد قال:
"خط النبي صلى الله عليه وسلم خطا مربعا، وخط خطا في الوسط خارجا منه، وخط خطوطا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: (هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به... به وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا، نهشه هذا، وأن أخطأه هذا نهشه هذا) [البخاري برقم (6054)]

وكتب الأوزاعي إلى أخ له: "أما بعد فقد أحيط بك من كل جانب، واعلم أنه يُسار بك في كل يوم وليلة، فاحذر الله والمقام بين يديه، وأن يكون آخر عهدك به.والسلام.

نَسِيرُ إِلَى الآجَالِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ ،،،،،،،،،،،،، وَأَيَّامُنَا تُطْوَى وَهُنَّ مَرَاحِلُ
وَلَمْ أَرَ مِثْلَ الْمَوْتِ حَقًّا كَأَنَّهُ ،،،،،،،،،،،،،، إِذَا مَا تَخَطَّتْهُ الأَمَانِيُّ بَاطِلُ
وَمَا أَقْبَحَ التَّفْرِيطَ فِي زَمَنِ الصِّبَا ،،،،،،،،، فَكَيْفَ بِهِ وَالشَّيْبُ لِلرَّأْسِ شَاعِلُ
تَرَحَّلْ مِنَ الدُّنْيَا بِزَادٍ مِنّ التُّقَى ،،،،،،،،،،،،،،،، فعمرك أيام وهن قلائل

وقال أبو العتاهية:
وَمَا أَدْرِي وَإِنْ أَمَّلْتُ عُمْرًا ،،،،،،،،،،،،،، لَعَلِّي حِينَ أُصْبِحُ لَسْتُ أُمْسِي
أَلَمْ تَرَ أَنَّ كُلَّ صَبَاحِ يَوْمٍ ،،،،،،،،،،،،،،،،، وَعُمْرُكَ فِيهِ أَقْصَرُ مِنْهُ أَمْسِ

[جامع العلوم والحكم لابن رجب (1/383)]

فعلى الإنسان، وبخاصة المسلم أن يجاهده الأمل الذي يجعله يسوف في التوبة والرجوع إلى الله تعالى، حتى لا يندم يوم لا ينفع الندم.

كتبه
د . عبد الله قادري الأهدل
[email protected]