بسم الله الرحمن الرحيم

بأي ((... حــــال...)) عــــدت ..؟؟!!!..


الليل يمضي، والنهار يمضي..

الساعات تمضي، والشهور تمضي، والسنوات تمضي..

تحمل فيها الذكريات الجميلة، والذكريات الأليمة، الحقيقة منها، وما تصطنعه نفوسنا وأوهامنا..

العجلة تدور، والفلك يدور، وكل ما فيه يدور..

الشمس والقمر والأرض تدور، ونحن فيها كذلك ندور، نبدأ في نقطة.. ثم ننتهي إليها.. وخلال الدوران يقذف بعضنا خارج الدائرة، ليستقر في حفرة أعدت بطوله وعرضه، لتكون نزله إلى يوم الدين، يأكله التراب، حتى لا يبقى منه إلا ما هو مذكور..

والبقية تنتظر دورها في كل دورة، كالحب إذا وضع في الرحى، والرحى يدور، يطحن ما يمر عليه، فما لم يطحن أولاً، طحن في الثانية، أو في الثالثة، أو في الرابعة، حتى لا يبقى من الحب شيء..

{ وما الحياة الدنيا إلا متـــــــاع الغرور}.


الزمان يمر وله محطات يثير فيها كوامن النفس.. يزعج الخاطر.. يحرك الجوارح:

يأتي رمضان ليغير من نمط الحياة، ويهيء النفوس والقلوب والجوارح لعيد الفطر، فيعيش الناس أيامه شعورا مختلفا، يصبغ عليهم تجديدا وحيوية، تتوج بفرحة بالعيد، والسرور بما قدموه بين يدي الفطر من صالحات وخيرات، وهكذا كل عام..

وفي العيد نوقف الحركة، نستجم.. نلتفت إلى الوراء لنرى ما قطعنا، وما تركنا، ما كسبنا، وما خسرنا، كل بحسب موازينه، ومقاييسه، وتصوراته.. كل بحسب اهتماماته، وغاياته:

- فمنا من غايته الدنيا، بمالها، وجمالها، وفتنتها، وفجورها، وظلمها..

- ومنا من غايته الآخرة، بطاعاتها، وثوابها..

{إن سعيكم لشتى }..

وبحسب الغايات تكون الأفراح والأحزان..


والعيد عود، قيل: عيد، من العود، لأنه يعود كل عام.. لكنه ارتبط بالفرح، فصار معناه = الفرح، فالعيد أفراح لا مكان للحزن فيه.. الحزن في مكان آخر..

وهذا هو الأصل، فالعيد يتلو زمن عمل وبذل، وصوم ومنع، يأتي ليكون ثمرة وجائزة للمتعبين، الباذلين، الذين صبروا فحرموا أنفسهم، ومنعوها شهواتها، امتثالا وحبا لخالقهم الذي بذلك أمرهم..

فالإذن لهم بالاحتفال بعد نجاح العمل، إذن بالفرح..إذنٌ بما النفوس المحرومة تواقة إليه، من الاستجمام والإقبال على الممنوع من الطعام والنكاح، الذي كان ممنوعا لفترة: امتحانا، وتمييزا، وتمحيصا.. فحق لها أن تفرح، وشرع لها أن تفرح، فمعاني الفرح قد اجتمعت في هذا الحدث..

هذا الامتحان الصغير، هو امتحان شهر الصوم، أعقبه فرحة عيد الفطر.. والامتحان الكبير، إنما هو امتحان مدة الحياة الدنيا، فهو الصوم الأكبر، عن الشهوات المحرمة أبد الدنيا، يعقبه فرحة عيد الجنة، عند دخولها، وحلولها، هنالك المستقر في جنات عدن..

هذا مثل هذا.. إلا أن هذا مثلٌ مصغر لذلك.. يمر كل عام علينا، كالطيف، وكالحلم، ينادي أن صوموا ولا تفطروا، بل اجعلوا فطركم يوم عيدكم، عند القدوم على الملك العظيم الكريم الوهاب.


في زمان مضى، قريب غير بعيد، كنا نفرح بالعيد، كبارا وصغارا، ذكورا وإناثا، كما يفرح الصبي بالشيء الجديد، نذوق للعيد لذة، ونعيشه سرورا وحبورا، نختال فيه اختيال الغانم.. نستطعم أيامه، بل ساعاته ولحظاته.. فرحة صادقة، تبدو على الوجوه الصغيرة والكبيرة..

- لم يكن لدينا الكثير من المال، ولا المتاع، ولا الطعام.. بل كان لدينا الكثير من سعادة الروح، وفرح القلوب، وطمأنينة النفوس، وحسن الصلات..

- لم تكن لدينا الملاهي الكثيرة، ولا المهرجانات، ولا المسابقات، ولم يكن الناس يخرجون زرافات، رجالا ونساءا، يجتمعون للهو في المنتجعات، والميادين.. بل كنا نتسابق إلى بيوت بعضنا، نزرع فيها البهجة والبركة..

- لم تكن لدينا فضائيات كالتي الآن، تعرض فيها أنواع المباهج، والمباحات، والمحظورات، وغير ذلك مما نعلمه، وما لانعلمه.. بل كنا نقطع العيد بالحديث الطيب..

كان الزمان بسيطا، والأحوال مستورة، والناس في هدوء ليس فيه صخب، لكن كل ذلك لم يمنع من تمام فرحة العيد.. بل كان من أسباب الفرح..

وإن كنتم في شك فاسألوهم.. اسألوا من عاش تلك الأيام وذاقها..


تغير الحــال..؟؟!!!!…

العيد يأتي ويذهب، والفرحة فيه مكبوتة، لا يسمع لها صوت، إلا صوت خفي، ينادي لقد حللت بينكم.. والناس يبحثون عن مصدر الصوت، فلا يرون أثرا !!!..

أين هو العيد؟!!..

لقد زادت المباهج، وكثر المال، وزاد ترف الناس، وما كان محظورا صار مباحا، وانفتحت أبواب مغلقة، ورأى الناس ما لم يكونوا يرونه، واقتحموا أسوارا، ونقبوا جدرا، فصار بين أيديهم كل الشهوات، وكل اللذات..

لكن كل ذلك لم يشفع، فلم تعد للعيد فرحته..!!.. بل زادت الفجوة؟؟!!!..

وبنتا نتساءل هل انقطع الحبل بين العيد والفرح، فعاد معناه من العود فحسب، كما في اللغة، وتلاشى منه معنى الفرح، كما قرر له شرعا وعرفا؟..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( البخاري 4/118):

(للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه)..


مما يبدو أن العلاقة بين العيد والفرحة محكوم عليها بالقطع والفصل، إذا لم يمتثل الناس لحكم وأمر من شرع لهم العيد وكتب لهم الفرحة به..

إن الله جل شأنه يذكر الدنيا في كتابه على سبيل الذم، هذا هو الأصل، ويحذر عباده من الاغترار بها، والتكالب عليها، ويرغبهم في النفور منها، والأخذ بقدر الحاجة..

والله تعالى جل شأنه ينهى عباده عن الظلم وتجاوز حدوده التي حدها، وكتبها عليهم..

فمخالفة أمر الله تعالى في هذه وتلك، من المعقول جدا أن تكون سببا في حلول الضنك والضيق، وسلب الفرح والسرور..

كان الناس في القديم، أكثر امتثالا، وأقل خطيئة، لم تكن لهم من الدنيا إلا القليل، وتفتح الدنيا سبب أصيل في زيادة الآثام، ولذا خاف النبي صلى الله عليه وسلم على أمته منه فقال:

(ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط لكم الدنيا كما بسطت لمن كان قبلكم، فتنافسوها، كما تنافسوها، فتهلككم، كما أهلكتهم)..

وإذا قلت الخطايا، زادت السعادة والأفراح...... هذه حقيقة يجب أن تنقش في القلوب..

كان حالهم منجسما مع الطاعات، وصوم رمضان، يصومون، يمتثلون، وأبواب المعاصي قليلة، ليست بالكثيرة، فهم إلى السلامة والفطرة أقرب، فإذا جاءهم العيد، جاءهم وهم على خير، فيزيدهم خيرا إلى ما هم فيه من الخير..

عندما تفتحت الدنيا، وكثرت الأموال، وترفه الناس، كثرت معاصيهم، وهذا أمر مشهود، حتى رمضان لم يسلم لهم، إلا من رحم الله، فإذا جاء العيد جاءهم وهم متلبسون بالخطايا، أو مقبلون على الدنيا، منهكمون فيها، لم يعد في قلوبهم متسع لذكر الآخرة..

فيا غربته بينهم، ويا وحشته، فما هو منهم، وما هم منه، هو نعمة من الله تعالى، جاء جائزة وثمرة وفرحة للطائعين الصادقين المقبلين على ربهم، لكن كثيرا من الناس فروا، ونفروا، وقلبوا الأمور، فتراهم في عيدهم يعبثون بالمحارم، ويركبون المحظورات، فأنى لهم أن يسعدوا أو به يفرحوا؟!!.


إنما العيد فرحة قوم شهدوا الحق، وعملوا به، ودرءوا بالحسنة السيئة.. وليس فرحة قوم شهدوا الحق، فلم يعملوا به، وركبوا السيئة فلم يذهبوها بالحسنات..

ولما عمّ هذا الحال البائس المخالف، كان من المعقول أن تنزع الفرحة من العيد، فذاق مر النزع الصالح والطالح على السواء، فإن البلاء إذا حل شمل الجميع..

لعل في هذه آية لنا على صدق قول النبي صلى الله عليه وسلم في تحذير أمته من زهرة الدنيا.. نعم الدنيا في ظاهرها جميلة، من نالها نال الغنى والثراء، والبذخ والترف، والراحة والعافية.. لكن التجارب تؤكد أنه مع ذلك لن يجد للسعادة طعما، ولن تكون للفرحة إليه سبيل..

- إن شهوات الدنيا تغري بالركون إلى الدنيا، والرضا، والاطمئنان بها..

- وإن شهوات الدنيا تغري بالتحلل من أوامر الخالق، وطلب المخارج والتأويلات..

- وإن شهوات الدنيا تغري وتدعو للظلم والاستكبار والطغيان..

- وإن شهوات الدنيا تعمي وتنسي الإنسان أمور الآخرة، فيفرط فيها..

{كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى}.. وكل ذلك يسرق الفرحة، ويزرع الوحشة..

وكقاعدة: لا يمكن الجمع بين الامتثال، والاستغراق في متاع الدنيا وشهواتها..

فمن أراد الامتثال والتقديم لما بين يديه فعليه التقلل من الدنيا، والحذر من الاستغراق ..

لكن من استغرق في الدنيا، حتى تصير همه، فهو حتما سيخل بالامتثال لأوامر ربه تعالى..

وكل بحسبه، فبحسب الاستغراق يكون الإعراض.. على قدر استغراقه، يكون إعراضه..


إن المؤمن له أن يتمتع بمتاع الدنيا، لكن بقدر، وقطعا يجب ألا يكون تمتعه كتمتع الذين يئسوا من الآخرة، والذين زين لهم الحياة الدنيا، يجب ألا يكون تمتعه كتمتع الكافر سواء بسواء..

فالكافر ليس له إلا الدنيا، وقد خاصم ربه، فليس له في الآخرة نصيب، فإقباله على التمتع الكامل بالدنيا له سبب مفهوم..

أما المؤمن فإن الله تعالى عرفه بما له في الجنة من أجر عظيم، وبيّن أن الدنيا تغر وتخدع، وتصرف عن حظ الآخرة.. وبذلك فليس له أن يتمتع بالدنيا كتمتع الكافر..

فهذه من الفروق الرئيسة بين المؤمنين والكافرين، لكن إذا صار المسلم متمتعا بالدنيا تمتع الكافر، سواء بسواء، فلا تستغرب بعدها أن يصيبه ما يصيب الكافر من الضنك والشقاوة..؟؟!!!

فإن الله تعالى قال في بيان حال الكفرة: {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام}..

وجزاهم على حالهم بالشقاوة، قال: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا}..

فمن تمتع تمتعهم جوزي مثلهم...!!!..

نراكم على خير...

أبو سارة
[email protected]

الصفحة الرئيسة