بسم الله الرحمن الرحيم

مــــاذا عــليّ أن أصــنع..؟؟؟


في شهر رجب سنة 583هـ في اليوم الخامس عشر منه، في ذلك اليوم الأغر ابتدأ المسلمون وسلطانهم الفاتح صلاح الدين الأيوبي في العمل على استنقاذ بيت المقدس من أيدي الصليبيين، بعد احتلال دام ثنتين وتسعين سنة..
ولكي نقف على حقيقة الأمر:
- فإنا نعود بكم إلى سنة 492هـ، ففي يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان، أخذ النصارى بيت المقدس، وقتلوا ستين ألف مسلم بلا رحمة، وارتكبوا من المنكرات والأمور المستبشعات ما تقشعر منه الأبدان، فهرب من هرب وهلك من هلك، فبكى المسلمون وانتدبهم الخليفة لقتال المحتلين فلم يفد ذلك شيئا، إذ كان المسلمون غارقين في شهواتهم..
- ثم إن هذا الحدث المفزع لم يزل يعتصر آلام الأمة طيلة قرن من الزمان، لم يكن صلاح الدين وحده الذي يحمل هذا الهم، بل معه كان المؤمنون الصادقون، وقد كان نور الدين زنكي الإمام الكبير والملك العظيم أحد الذين نذروا أنفسهم لتحرير الأقصى، وصنع له منبرا فخما ليكون فيه، أملا في أن يفتح الله على يديه، لكن المنية اخترمته..
- كان صلاح الدين أحد رجاله، وكان قد ولاه على مصر، فلما مات نورالدين وتنازعت أمراء الشام وظهرت الشرور وكثرت الخمور وانتشرت الفواحش التي لم تكن في زمنه، طمعت الأعداء في بلاد المسلمين، فما كان من صلاح الدين إلا أن أقبل على الشام، فانتزعها من أيدي أمرائها ليحفظها ويمنع عنها كيد الكافرين، فاجتمعت الكلمة عليه لصدقه وإخلاصه وجهاده، وذلك سنة 569هـ.
- ومنذ ذلك العام والسلطان صلاح الدين يجوب أرض الشام مجاهدا فاتحا، يطرد النصارى من حصونها، وهو يتهيأ للفتح الأعظم، حتى يسر الله له أسبابها.
- ففي عام 583هـ كانت وقعة حطين الشهيرة التي كانت أمارة وتقدمة لفتح بيت المقدس، وذلك في مستهل شهر محرم يوم السبت برز السلطان بجحافله فالتفت عليه العساكر، فسار قاصدا بلاد الساحل، وكان جملة من معه اثني عشر ألفا، فاجتمعت له النصارى وتصالحت فيما بينها، وجاءوا بحدهم وحديدهم، ومعهم صليبهم "الصلبوت"، يحمله عباد الطاغوت وعدتهم ستون ألفا، وأقبل صلاح الدين فافتتح طبرية وحاز بحيرتها، ومنع الله الكفرة أن يصلوا إليها، حتى صاروا في عطش عظيم.
- وعند قرية يقال له :"حطين" غربي طبرية تواجه الجيشان، فأسفر وجه الإيمان، واغبر وجه الكفر والطغيان، ودارت دائرة السوء على عبدة الصلبان، وذلك عشية الجمعة، وأصبح يوم السبت، فكان يوما على الكافرين عسيرا، وذلك لخمس بقين من ربيع الآخر، فطلعت الشمس في وجوه النصارى، واشتد الحر بهم، وقوي بهم العطش، وكان تحت أقدامهم الحشيش قد صار هشيما، فكان عليهم مشؤوما، فأمر السلطان أن يرموهم بالنفط، فتأجج النار تحتهم، فاجتمع عليهم حر الشمس، وحر العطش، وحر النار، وحر السلاح، وحر رشق النبال، وتبارز الشجعان.
- ثم أمر السلطان بالتكبير والحملة الصادقة، فحملوا فكان النصر من الله عز وجل فمنحهم أكتافهم، فقتل منهم ثلاثون ألفا، وأسر ثلاثون ألفا..
فلو رأيت عدد القتلى قلت: ما نجى منهم أحد..
ولو رأيت عدد الأسرى قلت: ما قتل أحد.
- وكان في جملة الأسرى جميع ملوكهم، واستلبهم السلطان صليبهم الأعظم، الذي يزعمون أنه صلب عليه المسيح، ولم يسمع بمثل هذا اليوم في عز الإسلام وأهله، حتى ذكر أن بعض الفلاحين رآه بعضهم وهو يقود نيفا وثلاثين أسيرا من الكفار قد ربطهم بعمود خيمة، وباع بعضهم أسيرا بنعل ليلبسها في رجله، وجرت أمور لم يسمع بمثلها إلا في زمن الصحابة، ثم سار صلاح الدين يفتح البلدان، فكان جملة ما استنقذه خمسين بلدة في مدة يسيرة، ثم إنه أمر الجيوش أن ترتع مدة شهور ليتهيؤوا للفتح الأعظم.
تلك المكارم لا قعبان من لبن ******** وذلك السيف لا سيف ابن ذي يزن
- نزل صلاح الدين غربي بيت المقدس في الخامس عشر من رجب سنة 583هـ، فوجد البلدة قد حصنت غاية التحصين فتحول إلى ناحية الشام، فشدد الحصار،وغنت السيوف والرماح، وأمر بنقب الزاوية الشمالية الشرقية من السور فسقط برجها، فقصد أكابرهم السلطان يطلبون الأمان والصلح فامتنع من ذلك وقال: " لا أفتحها إلا عنوة كما افتتحتموها أنتم عنوة، ولا أترك بها أحدا من النصارى إلا قتلته ، كما قتلتم أنتم من كان بها من المسلمين".
فجاء رئيسهم وذل ذلا عظيما وتشفع إليه بكل وسيلة فلم يجبه إلى الأمان، فلما رأى ذلك قال:  " إن لم تعطنا الأمان رجعنا فقتلنا كل أسير بأيدينا، وقتلنا أولادنا ونساءنا، وخربنا الدور والأماكن، وأحرقنا المتاع والمال وهدمنا قبة الصخرة، ثم نخرج فنقاتل قتال الموت، فماذا ترتجي بعد هذا من خير؟".
- فلما سمع السلطان ذلك منه أجابه إلى الصلح، على أن يبذل كل رجل منهم عن نفسه عشرة دنانير، وعن المرأة خمسة، وعن الصغير دينارين، ومن عجز عن الأداء خلال أربعين يوما كان أسيرا للمسلمين، فكان جملة الأسرى ستة عشر ألفا، فالحمد لله على عز الإسلام وأهله، وذل الكفر وحزبه.
- دخل السلطان والمسلمون يوم الجمعة قبل وقت الصلاة بقليل، وذلك يوم السابع والعشرين من رجب، ولم يتفق للمسلمين صلاة الجمعة لضيق الوقت، فطهر المسجد من الصلبان والخنازير والرهبان، وأعيد كل شيء إلى ما كان عليه في أيام المسلمين، وأطلق السلطان بنات ملوك النصارى وعفا عن كثير منهم، وأظهر التسامح كما هي عادته، وعادة المسلمين في فتوحاتهم، وقسم ما غنمه على الجيش ولم يأخذ من ذلك شيئا لنفسه رحمه الله..
- وكان أول جمعة أقيمت في اليوم الرابع من شعبان بعد يوم الفتح بثمان فنصب المنبر الذي صنعه نور الدين، وتلي التنزيل وارتفعت الدعوات، وانجلت الكربات، وعبد الأحد الصمد، وامتلأ المسجد، وسالت العيون، ولما أذن المؤذن للصلاة كادت القلوب أن تطير فرحا، فقام الخطيب محي الدين محمد بن علي القرشي ابن الزكي فخطب، فكان أول ما قال: { فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمدلله رب العالمين}..
ثم قال: "الحمد الله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومزيد النعم بشكره، ومستدرج الكافرين بمكره، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي أسري به من المسجد الحرام إلى هذا المسجد الأقصى، صلى الله عليه وسلم وعلى خليفته الصديق، وعلى عمر أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان".
- ثم ذكر فضائل بيت المقدس، أنه أول القبلتين، وثاني المسجدين، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، إليه أسري برسول الله، وفيه صلى بالأنبياء، ومنه عرج به إلى السماء، وهو أرض المحشر، وهو أرض الأنبياء، بناه يعقوب عليه السلام فيم قيل، بعد الكعبة بأربعين سنة..
ثم جدده سليمان عليه السلام، وسأل الله ألا يأتي إليه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه، إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وهكذا طويت صفحة صفحات الظلم والكفر والعلو، وفتحت صفحة من العدل والإيمان والتسامح، وما زال الأمر على ذلك قرونا حتى سقط الأقصى مرة أخرى لكن في أيدي اليهود بمعونة من النصارى، فعسى الله أن يأتي بالفتح على يد رجل من المؤمنين، يعيد ذكرى صلاح الدين، اللهم آمين.

--------------

ذلك ما كان، واليوم ومنذ سنة 1948م والتاريخ يعيد نفسه.. فبلاد الأقصى قد سلبت ونهبت واحتلت، لكن بأيدي اليهود هذه المرة، وبمعونة وتأييد كامل من النصارى، وما صنعه النصارى بالأمس يصنعه اليهود اليوم، من قتل وسلب ونهب وهدم..
وليس المقصود من ذكر خبر فتح الأقصى على يد صلاح الدين، الوقوف عن حد التغني المجد الماضي، وترضية النفس وتسليتها بأخبار النصر والعلو..
بل الوقوف على الظروف والأسباب التي أدت إلى تصحيح الأمور، وتطهير البيت المقدس من الرجس، لنفهم ما الذي يجب علينا فعله اليوم، إن كنا صادقين مؤمنين، فنقول:
كيف نسترجع الأقصى؟؟...

1- .... كيف نتعامل مع الطبائع الشريرة؟؟؟.................
إن هذه الأحداث الدائرة الآن في الأقصى، تؤكد أن الكفر ملة واحدة، فاليهود والنصارى والهندوس كلهم، كلهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولاذمة، أي لا يرقبون الله فيهم، ولا عهدا ولا ميثاقا..
فهم يقتلون ويحرقون ويهدمون المنازل ويحتلون الأرض؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!......
وإذا كان الأمر كذلك فمن الحماقة أن نظن فيهم عدلا أو إنصافا، بل ولن نجد منهم سلاما ولا أمنا، فالله يخبرنا أنهم يضمرون في أنفسهم الشر، قال تعالى: {كيف وإن يظهروا عليكم لايرقبوا فيكم إلا ولاذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثر فاسقون * اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إن ساء ما كانوا يعملون * لايرقبون في مؤمن إلاّ ولاذمة وأولئك هم المعتدون}..
والواقع يؤكد هذا، فنفوسهم عدوانية تحمل الشر، طبعت وجبلت على ذلك، لأن الشيطان يسوقها...
ومن فهم هذا عنهم، عاملهم كما يعامل الأشرار معدومي الضمير، لا كما يحدث الآن حيث يعاملون معاملة الأخيار الموفين بالعهود، فتعقد معهم العهود والعهود رجاء الوفاء، ولا فاء، إنما مكر وخداع، والمؤمن لايلدغ من حجر مرتين، أما غيره فيلدغ مرات، ولا يتوب!!!!!!!!!!!!....
وكلما كان المرء ملتزما بشريعة الله تعالى، كان أكثر فهما وإدراكا لطرق التعامل مع هذه الأجناس البشرية الردئية، وقدرة على الحد من شرهم، لكن بليتنا أننا نتعامل معهم ملتزمين أسسا أخرى، من قوانين بشرية وأحكام وضعية.

2-..... نقطة الانطلاق....
أول الفتح أن تحمل الأمة الهمّ، فإذا زرع في ضميرها نصرة الإسلام والمسلمين، وتحرير بلاد الإسلام من رجس الكفار، فإن هذه هي البداية، فمنها الانطلاق، وقبل ذلك هي في عمى وضياع..
والواضح أن المسلمين الآن يحملون هذا الهمّ، فيألمون لما يحدث لإخوانهم المسلمين، في كل مكان، في الأقصى، في الأفغان، في الهند، في الشيشان، في كشمير، في الفلبين، في كل مكان..
هذا الهم هو المحرك، بعده تأتي الحلول والطرق، وهي كثيرة.

3- ..... الشروط اللازمة:.......
لن يأتي النصر إلا بعد طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والاجتماع، قال تعالى: {وأطيعوا الله ورسوله ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين}..
وعندما احتل النصارى بيت المقدس، بقي بأيديهم مائة عام، كان المسلمون في الشام أشتاتا متنازعين، كملوك الطوائف في الأندلس، فكل بلد – ولو صغير – له حاكم، فجاء نور الدين زنكي فوحدها، وأتم عمله المبارك صلاح الدين..
فكانت هي الخطوة العملية الأولى، وهو:
الاجتماع تحت قيادة واحدة مسلمة مؤمنة...
أما مع التفرق والتشتت وإعجاب كل ذي رأي برأيه، دون وجود من تجتمع عليه الكلمة، فإن العلو والكلمة ستكون للأعداء ولاشك، فهؤلاء اليهود والنصارى من ورائهم كلمة واحدة مجتمعة، على شيء واحد، فلهم الغلبة، بخلاف المسلمين المتنازعين فلهم الهزيمة، وهذه سنة الله في خلقه.

ماذا علينا أن نصنع أيضا ؟؟؟...
أمامنا كثير من الأعمال، لو حملنا هذا الهم، ولابد أن نحمله، مع إخواننا المجاهدين، المرابطين في نحر العدو، فهؤلاء الأخيار، لو نعلم، إنما يدرءون عنا شرا عظيما:
فهم الذين يبطئون عجلة الكفر والفجور في بلاد المسلمين بجهادهم..
وهم الذين يحمون ظهورنا:
إن كل طفل وفتى وكهل وشيخ وامرأة يموت لهم، إنما هو قربان يقدمونه لأجل حمى الدين، وحمى بلاد وأبناء المسلمين..
وكل بيت يهدم إنما يحمون به بيوتنا، أفلا يجب أن ندرك لهم هذا الفضل المبين؟!!.
- لنقف معهم بالدعاء الصادق المخلص.. فالدعاء شيء عظيم، وأجر كبير، وهو يرد القدر.
- لنقف معهم بأموالنا، ندفعها إلا من نثق ونطمئن أنه يوصلها إلى من يستحق من المسلمين.
- لنقف معهم بنشر همومهم في المجالس والصحف والكتب، وكل وسيلة إعلامية.
- لنقف معهم بالرسائل والتأييد، لهم، ولكل المجاهدين عن الحق، في بلاد الإسلام.
- لنقف معهم بالإعراض عن الملاهي، فمن العيب أن نلهو، وإخواننا فيما هم فيه مما قد عرفتم.
- لنقف معهم بترك المعاصي والآثام، فهي شر، وهي التي تسلط العدو، وتضعف العزيمة.

فطرق النصر معروفة، وطرق الهزيمة كذلك معروفة، فمن أراد النصر فلينصر ربه، يقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}..

أبو سارة
[email protected]

الصفحة الرئيسة