بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الآمرون بالمعروف!.. امضوا.. واصبروا.. أنتم أحباء الله


فليتك تحلو والحياة مريــرة ...... وليتك ترضى والأنام غضــــاب
وليت الذي بيني وبينك عامر ...... وبيني وبين العالمين خـــــراب
--------------------------
يحكي ابن كثير في ترجمة المعتضد الخليفة العباسي ت289هـ( التاريخ م7/ج11/ص89):
أن رجلا خياطا كان إماما لمسجد في بغداد، رأى رجلا تعلق بامرأة وهو سكران يريدها على نفسها ليدخلها منزله، وهي تأبى عليه وتصيح بأعلى صوتها مستغيثة.
قال الخياط: فقمت إليه فأنكرت عليه، وأردت خلاص المرأة من يديه، فضربني فشج رأسي وغلب المرأة على نفسها وأدخلها منزله قهرا، فرجعت فغلست الدم عني وعصبت رأسي وصليت بالناس العشاء.
ثم قلت للجماعة: قوموا لننكر على هذا، ونخلص المرأة منه.
فقام الناس معي فهجمنا عليه داره، فثار غلمانه بأيديهم العصي يضربون الناس، وقصدوني بالضرب حتى أدموني، فرجعت إلى منزلي وأنا لا أهتدي إلى الطريق من شدة الوجع وكثرة الدماء.
فنمت على فراشي ولم يأخذني نوم، وتحيرت ماذا أصنع حتى أنقذ المرأة من يده، فألهمت ............؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟......
---------------------
يقول ربنا سبحانه:
{ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم}..
لا ينجو عند الله إلا من أحب الله تعالى..
ومن ادعى حب الله تعالى وهو لا يذل لإخوانه المؤمنين، ولايخفض جناحه لهم، ولا يجاهد في سبيل الله، بقلبه ولسانه ويده وجوارحه، فهو كاذب في دعواه، مفتري في قوله..
إن المحب الصادق هو الذي يجاهر بحب مولاه علنا، ويتحمل في سبيل ذلك كل شاق ومر..
أرأيتم لو أن أحدكم أحب إنسانا حبا جما..
هل يرضى لأحد أن يذل محبوبه؟..
هل يأذن لمخلوق أن يتطاول على محبوبه؟..
أليس يغضب إن عصي أمره؟..
بلى، يكون ذلك وأعظم..
نحن ننتصر ونبذل أموالنا وأنفسنا رخيصة في سبيل فلانة أو فلان، لأن حبهم خالط شغاف قلوبنا، مع أن ذلك المحبوب لا يستحق كل ذلك منا، لكن الهوى يحملنا على الغلو فيه، وتعظيمه تعظيما زائدا، وننسى أنه بشر لا يملك من أمره شيئا..
فإذا كان حبنا للمخلوق يبلغ مبلغا تهون معه أرواحنا وأنفسنا وأموالنا لأجله، نتحمل الذل والمر طلبا لرضاه، أليس مولانا وربنا وخالقنا ورازقنا أولى بكل حب وتعظيم وبذل وصبر وتحمل وجهاد في سبيله؟..
أليس ربنا أحق من قمنا بنصرة أمره ودينه؟..
بلى، وإن المؤمن الصادق هو الذي يحب ربه فوق كل محبوب، يغضب لغضبه، يرضى لرضاه، قال تعالى:{والذين آمنوا أشد حبا لله}..
إن من ادعى الإيمان وحب الله تعالى، ثم إذا رأى المنكر لم يتمعر وجهه ولم يغضب قلبه ولم يتحرك لإزالته قدر المستطاع، فهو دعي في كل ما قال، فالحب يوجب البذل والتحمل والصبر والجهاد..
فمن لم يكن صاحب بذل ولا صبر ولا جهاد فليس بمحب أبدا، بل المحب هو الذي يقف هواه مع هوى محبوبه، فلا يتقدم ولا يتأخر، ويستلذ كل ما يقع عليه في سبيله.
إن طائفة من الناس تخشى الناس في الله، والله أحق أن تخشاه، قال تعالى:
{ أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين}..
ويقول: { فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين}،..
فأمر بالخوف منه ونهى عن الخوف من غيره، وعلق ذلك بالإيمان، فالمؤمن من خاف الله ولم يخف غيره، وغير المؤمن هو الذي يخاف من المخلوق أكثر من خوفه من الله تعالى، وهذا غير مقبول، إذ أن أزمة الأمور بيد الله تعالى لا بيد المخلوق، والنافع الضار هو الله تعالى لا أحد من البشر، ولو أراد الله وأراد البشر، فإرادة الله تعالى هي المتحققة لا إرادة البشر.
يحكي ابن كثير في ترجمة المعتضد الخليفة العباسي ت289هـ( التاريخ م7/ج11/ص89):
أن رجلا خياطا كان إماما لمسجد في بغداد، رأى رجلا تعلق بامرأة وهو سكران يريدها على نفسها ليدخلها منزله، وهي تأبى عليه وتصيح بأعلى صوتها مستغيثة.
قال الخياط: فقمت إليه فأنكرت عليه، وأردت خلاص المرأة من يديه، فضربني فشج رأسي وغلب المرأة على نفسها وأدخلها منزله قهرا، فرجعت فغلست الدم عني وعصبت رأسي وصليت بالناس العشاء.
ثم قلت للجماعة: قوموا لننكر على هذا، ونخلص المرأة منه.
فقام الناس معي فهجمنا عليه داره، فثار غلمانه بأيديهم العصي يضربون الناس، وقصدوني بالضرب حتى أدموني، فرجعت إلى منزلي وأنا لا أهتدي إلى الطريق من شدة الوجع وكثرة الدماء.
فنمت على فراشي ولم يأخذني نوم، وتحيرت ماذا أصنع حتى أنقذ المرأة من يده، فألهمت أن أؤذن الصبح في أثناء الليل لكي يظن أن الصبح قد طلع فيخرجها من منزله فتذهب إلى منزل زوجها.
فصعدت المنارة فأذنت، وعزمت على إقامة الصلاة، فبينما أنا كذلك إذ امتلأت الطريق فرسانا ورجالة، فقالوا: أجب أمير المؤمنين.
فأخذوني وأدخلوني عليه، فارتعدت من الخوف وفزعت فزعا شديدا، فما زال يلاطفني حتى سكن روعي، ثم سألني عن سبب أذاني في هذا الوقت، فحكيت له القصة.
فغضب غضبا شديدا، وأمر بإحضار ذلك الرجل والمرأة من ساعته، فأحضرا سريعا، فبعث بالمرأة إلى زوجها مع نسوة وأمر زوجها بالإحسان إليها، ثم أقبل على ذلك الرجل وقال له:
كم لك من الرزق؟، وكم من عندك من المال؟، وكم عندك من الجوار والزوجات؟..
فذكر له شيئا كثيرا من ذلك..
فقال له: ويحك أما كفاك الله ما أنعم الله به عليك حتى انتهكت حرمة الله وتعديت حدوده وتجرأت على السلطان، وما كفاك ذلك أيضا حتى عمدت إلى رجل أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر فضربته وأهنته وأدميته؟.
فلم يكن له جواب، فأمر به فجعل في رجله قيدا وفي عنقه غلا، ثم أمر به فضرب ضربا شديدا حتى كان آخر العهد به.
ثم قال لذلك الرجل الصالح الخياط: كلما رأيت منكرا صغيرا أو كبيرا ولو على هذا ـ وأشار إلى صاحب الشرطة ـ فأعلمني، فإن اتفق اجتماعك بي، وإلا فبيني وبينك الأذان..
فصار ذلك الخياط بعد ذلك مهابا من الصغير والكبير، عظيم القدر ومن دونه، لا يقدر أحد أن يتعدى حدود الله وهو شاهد أو هو يسمع.
فقد نصره الله تعالى وأعلى به الدين حين نصر دينه وتحمل لأجل ذلك أذى نفسه:
{ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}..
{ إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده}..
وسنة الله تعالى في نصرة أوليائه القائمين بدينه معلومة مشهورة لكل ذي عقل، فليبشر كل من بذل نفسه من أجل هذا الدين، بالنصر المبين، يقول تعالى
:{ إننا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد}.
كان سفيان الثوري إماما من أئمة السلف الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، يقول:
" إني لأرى المنكر فلا أتكلم فأبول أكدم دما". (سير أعلام النبلاء 7/259)..
وكان يقول: " إذا كنت بالشام فاذكر مناقب علي رضي الله عنه، وإذا كانت بالكوفة، فاذكر مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما" (7/260)
وذلك أن أهل الشام كانوا يذمون عليا رضي الله، فقصد سفيان من ذلك الإنكار عليهم وتبيين الحق لهم، وأهل الكوفة كانوا يذمون أبا بكر وعمر لتشيعهم، فقصد من ذلك الإنكار عليهم، ونشر الحق والدعوة إليه ببيان فضل الصحابة الكرام.
قال مرة: " إذا أثنى على الرجل جيرانه أجمعون فهو رجل سوء لأنه ربما رآهم يعصون فلا ينكر ويلقاهم بالبشر". قال أحدهم: "ما رأيت أحدا أصفق وجها في ذات الله من سفيان" (7/278).
يعني لا يبالي بأحد في أمر بمعروف أو نهي عن منكر.
إن جهد الإصلاح والدعوة إلى الخير كبير وعظيم وشاق ، لايستطيع أن يقوم به خطيب أو شيخ أو داعية ، فما لم تتحمل الأمة جميعها هذه الأمانة وتعمل في الأرض نصحا وإرشادا، وإلا فهؤلاء إنما يصارعون بحرا مائجا بسفينة صغيرة، فكل يجب عليه أن ينهى على المنكر بحسب منزلته ومسؤوليته..
لو أن كل واحد منا منع المنكر في محله وبيته وسوقه وعمله ودائرته ومدرسته وفصله واجتهد في ذلك، لرأينا كيف أن الشر ينحسر ويتراجع حتى لايبقى له شأن ولرأينا كيف أن العاصي وصاحب المنكر يذل ويترك معصيته ويرجع إلى ربه..
لكن إذا تركنا ذلك وأهملنا النصح مع قدرتنا عليه، ورضينا بالمنكرات في بيوتنا، وسكتنا عنها في أعمالنا، وتغاضينا عنها في أسواقنا وشوارعنا وملاهينا ومتنزهاتنا، وصرنا ننظر إلى المنكر ولا يتحرك في قلوبنا الإيمان والغيرة على محارم الله تعالى ، فحينئذ نحن على أبواب خطر عظيم ، أصاب الأمم قبلنا فأصبحوا أثرا بعد عين .
نحن جميعا نركب سفينة واحدة، كل واحد له مكان في هذه السفينة..
أرأيتم لو أن بعضنا قال: هذا المحل ملكي، وأفعل فيه ما أشاء..
وأراد أن يخرق مكانه في السفينة، هل كنا نتركه يفعل؟ أم نمنعه من ذلك السخف؟..
فهو بفعله الأرعن يعرضنا جميعا للخطر، فخرق جزء في السفينة يغرقها كلها، وكذلك هذه الأمة هي كالسفينة تمشي على وجه هذه الحياة ، فالمجاهرون بالمعاصي يعرضونها للغرق والبوار إذا لم يمنعوا، ولا يعلم ذلك إلا من قرأ التاريخ، فاقرأوا تاريخ الأمم من قبلنا حتى تدركوا أسباب الهلاك والدمار، والله يحفظ عباده الصالحين.

أبو سارة
[email protected]

الصفحة الرئيسة