بسم الله الرحمن الرحيم

من أم قوما وهم له كارهون


الحمد لله وبعد ،
فإن بيوت الله هي دور العبادات للمسلمين ، يجتمعون فيها في كل يوم خمس مرات ، قال تعالى في وصفها : " فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ " [ النور :36] ، والبيوت المذكورة في هذه الآية هي المساجد عند أكثر أهل العلم .
قال ابن كثير في تفسيره (6/62) : أمر الله برفعها ، أي : بتطهريها من الدنس واللغو ، والأفعال والأقوال التي لا تليق فيها .ا.هـ.

والمساجد وردت أحاديث كثيرة في فضلها ، وفضل بنائها ، واحترامها وتوقيرها ، وتطيبها وتبخيرها . ولست بصدد الحديث عن هذه الأمور ، وإنما موضوع بحثي هذا هو في جزئية من أحكام المساجد .

وإن مما يعاني منه بعض أئمة المساجد - وخاصة طلبة العلم منهم - أنهم يبتلون ببعض المأمومين ، وهؤلاء المأمومون أصناف :
* فمنهم الجاهل الذي يرى أنه هو سيد ذلك المسجد ، فيأمر وينهى وكأن إمام ذلك المسجد لا دور له عنده ولا مكانة . بل إن ذلك الجاهل قد يحرض المأمومين على إمام المسجد ، وذلك بتدبير المكائد له ، وغير ذلك من الأمور التي لا مجال لذكرها هنا . وهؤلاء الجهلة من أصعب الناس تعاملا .
* ومنهم المثقف الذي لا يشارك في أي شيء من أمور المسجد البته ، حتى النصيحة لإمام منه لا تجدها ، وإنما تجده عند زلات الإمام التي لا يخلو منها بشر .
* ومنهم أهل الصلاح والاستقامة الذين هم سند وعون لإمام المسجد في الصغيرة والكبيرة ، بل هم الذين يظهرون للإمام محبتهم له ، ورضاهم بإمامته لهم .

فهذه هي الأصناف من الناس ، وقد يكون هناك أصناف أخرى ولكن ذكرت أبرزهم ، والله أعلم .

وابتلاء أئمة المساجد بأمثال هؤلاء سنة قديمة جدا ، ومن أشهر من ابتلي بذلك سعد بن أبي وقاص في قصة أوردها البخاري ومسلم في صحيحيهما ، وإني بصدد جمع روايات هذه القصة الجملية ، وذكر ما جاء فيها من الفوائد .

ومما يستدل به أولئك المأمومون إذا حصل بينهم وبين الإمام أدنى خلاف ، أو مشكلة في المسجد فإنهم يسارعون إليه بقولهم لا يجوز لك أن تأمنا ونحن لك كارهون ،
ويذكرون حديث : ثلاثة لا ترفع لهم صلاة … وذكر منهم : ورجل أم قوما وهم له كارهون .

وفي هذا البحث البسيط أود مناقشة هذا الاستدلال من جهة صحته أو خطأه ، فهل استدلالهم هذا في محله أم لا ؟
وما المقصود بالكراهة في هذا الحديث الذي يستدلون به ؟
وهل الحديث يثبت أم لا ؟
وغير ذلك من المباحث التي سترد في ثنايا هذا البحث ، أسأل الله أن ينفع به ، آمين .

نص الحديث :
لقد ورد الحديث عن عدد من الصحابة وهم :
1 – أبو أمامة رضي الله عنه :
عن أبي أمامة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم : العبد الآبق حتى يرجع ، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط ، وإمام قوم وهم له كارهون .

رواه الترمذي (360) وقال : حسن غريب ، وابن أبي شيبة (3/558) ، والطبراني في الكبير (8/284ح8090 ، 8098) ، والبغوي في شرح السنة (3/404) .

وفي إسناده أبو غالب البصري وقد ضعفه قوم ووثقه آخرون ،

فممن ضعفه :
النسائي ، قال فيه : ضعيف .
وقال أبو حاتم : ليس بالقوي .
وقال ابن سعد في الطبقات : منكر الحديث .
وقال ابن حبان في المجروحين : منكر الحديث على قلته لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات .
وقال الذهبي : فيه شيء .

- أما من وثقه :
قال الدارقطني : ثقة .
وقال يحيى بن معين : صالح الحديث .
وقال ابن حجر : صدوق يخطىء .
وقد علق بشار عواد وشعيب الأرنؤوط في تحرير التقريب (4/249) على كلام الحافظ : بل ضعيف يعتبر به في المتابعات والشواهد .ا.هـ.

فالرجل – والله أعلم – لا ينزل حديث عن مرتبة الحسن .

ولذلك قال الترمذي عقب الحديث : حسن غريب .

وقال النووي في الخلاصة (2/703) : رواه الترمذي وقال : حسن . وضعفه البيهقي ، والأرجح قول الترمذي .

وحسن الحديث الشيخ الألباني كما في غاية المرام (248) ، وصحيح الترغيب والترهيب (1/328ح487) ، والمشكاة (1/350ح1122) .

وحسن إسناده أيضا شعيب الأرنؤوط نفسه في شرح السنة (3/404) .

وصحح الحديث أحمد شاكر في شرحه على الترمذي (2/192) .

وذكر الحديث الشيخ مقبل الوادعي في الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين (2/148) .

تنبيه : قال بشار تعليقا على توثيق الشيخ أحمد شاكر لأبي غالب في تحقيقه لتهذيب الكمال (34/172) : ومن العجب أن العلامة الشيخ أحمد شاكر – رحمه الله – وثقه مطلقا ، بل اعترض على تحسين الترمذي لحديثه ، معتدا بتوثيق موسى بن هارون الحمال ، والدارقطني . ولم يذكر تضعيف ابن سعد ، وأبي حاتم ، والنسائي ، وابن حبان ؟!

وبعض العلماء ذهب إلى تضعيف الحديث منهم :
البيهقي ، فقال في سننه (3/128) : ليس بالقوي .

2 – عن ابن عباس رضي الله عنهما :
عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رءوسهم شبرا : رجل أم قوما وهم له كارهون . وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط . وأخوان متصارمان .
رواه ابن ماجة (971) ، وابن حبان في صحيحه (1757) ، والطبراني في الكبير (12275) .
قال النووي في المجموع (4/274) ، والخلاصة (2/703) : رواه ابن ماجة في سننه بإسناد حسن .
وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/330) : هذا إسناد صحيح رجاله ثقات .
والحديث في إسناده عُبيدة بن الأسود الهمداني .
قال فيه أبو حاتم : ما بحديثه بأس .
وقال أبو زرعة الرازي : ثقة .
وقال الدارقطني : يعتبر به .
وقال ابن حبان في الثقات : يُعتبر حديثه إذا بين السماع ، وكان فوقه ودونه ثقات .
وقد فهم الحافظ ابن حجر من عبارة ابن حبان أنه مدلس ، ولذلك قال ابن حجر في التقريب : صدوق ربما دلس .
قال بشار عواد وشعيب الأرنؤوط في تحرير التقريب (2/426) :
قوله :" ربما دلس" كأنه استفادها من قول ابن حبان في الثقات : يُعتبر حديثه إذا بين السماع ، وكان فوقه ودونه ثقات .

وقد انفرد ابن حبان بذلك ، فقد وثقه أبو زرعة الرازي ، وقال أبو حاتم : ما بحديثه بأس ، وقال الدارقطني : يعتبر به ، فالأولى عدم اعتبار قوله : ربما دلس .

وبسبب عبيدة هذا ضعفه الشيخ الألباني في غاية المرام (ص154) فقال :
قلت : لكن عُبيدة قال ابن حبان في الثقات : يُعتبر حديثه إذا بين السماع ، وكان فوقه ودونه ثقات . قلت : وهو لم يبين السماع عنده ولا عند ابن ماجة ، فإخراجه للحديث في صحيحه مخالف لقوله هذا الذي يخدج في صحته .ا.هـ.
وكذلك ضعفه في ضعيف الترغيب والترهيب (1/140ح257) .
أما الشيخ شعيب الأرنؤوط فقد حسن الحديث بناء على أن عُبيدة الآنف الذكر حسن الحديث .
قال الشيخ شعيب في تخريجه لصحيح ابن حبان (5/53 –54) : إسناده حسن .
وعلى فرض القول بضعف الحديث كما ذهب إلى ذلك الشيخ الألباني إلا أنه ذكر حديث أبي أمامة السابق شاهدا لهذا الحديث .

3 – أنس بن مالك رضي الله عنه :
عن أنس بن مالك قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة : رجل أم قوما وهم له كارهون ، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط ، ورجل سمع حي على الفلاح ثم لم يجب .
رواه الترمذي (358) ، وابن الجوزي في الموضوعات (966) من طريق الترمذي .
وقال الترمذي عقب الحديث :
حديث أنس لا يصح لأنه قد رَوى هذا عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا . ومحمد بن القاسم تكلم فيه أحمد بن حنبل وضعفه وليس بالحافظ .ا.هـ.

وهذا الحديث في إسناده محمد بن القاسم الأسدي ، واكتفي بكلام الحافظ ابن حجر فيه ، فقد قال في التقريب : كذبوه .

قال ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/436) :
قال المؤلف هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال احمد بن حنبل : أحاديث محمد بن القاسم موضوعة ليس بشيء رمينا حديثه ، وقال النسائي : متروك الحديث ، وقال الدارقطني : يكذب .ا.هـ.

والحديث كما رجح الترمذي مرسل عن الحسن ، قال المباركفوري في تحفة الأحوذي (2/345) :
حاصله أن الثابت هو المرسل ، وأما الموصول فهو ضعيف فإنه تفرد بوصله محمد بن القاسم الأسدي وهو ضعيف .ا.هـ.

4 – عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه :
عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة : من تقدم قوما وهم له كارهون ، ورجل أتى الصلاة دبارا والدبار أن ياتيها بعد أن تفوته ، ورجل اعتبد محرره .

رواه أبو داود (593) ، وابن ماجة (970) ، والبيهقي (3/128) .

والحديث في إسناده عبد الرحمن بن زياد الأفريقي وهو ضعيف .

وفي إسناد أيضا عمران بن عبد المعافري ، قال عنه الذهبي في الميزان (3/239) :
عمران بن عبد المعافري ضعفه يحيى بن معين ، يحدث عنه الإفريقي عن عبد الله بن عمرو مرفوعا : ثلاثة لا يقبل منهم صلاة من أم قوما وهم له كارهون الحديث .

وقد ضعف الحديث الشيخ الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (1/140ح256) .

وقال في المشكاة (1/351ح1123) :
وإسناده ضعيف ، فيه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي ، وهو ضعيف ، عن عمران بن عبد المعافري ، وهو مجهول ، لكن الجملة الأولى منه صحيحة ثابتة لها شواهد كثيرة منها ما قبله ، ومنها حديث ابن عباس الآتي .ا.هـ.

ولكنه يصلح أن يكون من الشواهد .

5 – طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه :
عن طلحة بن عبيد الله أنه صلى بقوم فلما انصرف قال : نسيت أن أستأمركم قبل أن أتقدمكم أفرضيتم بصلاتي ؟ قالوا : نعم ، ومن يكره ذلك يا حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أيما رجل أم قوما وهم له كارهون لم تُجز صلاته أُذنه .

رواه الطبراني في الكبير (1/115ح210) .

قال الهيثمي في المجمع (2/68) : سليمان بن أيوب الطلحي قال فيه أبو زرعة : عامة أحاديثه لا يتابع عليها ، وقال صاحب الميزان : صاحب مناكير وقد وثق .ا.هـ.

وقال العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1/328) :
الأصل : أبي أيوب ، والتصحيح من الطبراني وكتب الرجال ، وقال الحافظ : صدوق يخطىء . فإعلاله بأبيه وجده اولى ، فإنهما مجهولان ، لكن يشهد له ما بعده .ا.هـ.

6 – سلمان الفارسي رضي الله عنه :
عن القاسم بن مخيمرة يذكر أن سلمان قدمه قوم يصلي بهم فأبى فدفعوه فلما صلى بهم قال : أكلكم راض ، قالوا : نعم ، قال : الحمد لله إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ثلاثة لا تقبل صلاتهم : المرأة تخرج من بيتها بغير إذنه ، والعبد الآبق ، والرجل يؤم القوم وهم له كارهون .

رواه ابن أبي شيبة (1/358) .
وإسناد هذا الحديث فيه إنقطاع بين القاسم بن مخيمرة وسلمان الفارسي .

قال العراقي في تحفة التحصيل (ص261) :

القاسم بن مخيمرة : روى عن أبي سعيد الخدري روايته عنه في سنن ابن ماجة ، عن عبد الله بن عمرو ، وروايته في الأدب للبخاري ، وعن سلمان الفارسي روايته عنه في مصنف ابن أبي شيبة ، وعن أبي أمامة .

وقال يحيى بن معين : لم نسمع أنه سمع من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .ا.هـ.

7 – أبو سعيد الخدري رضي الله عنه :
قال الإمام البيهقي في السنن (3/128) :
وبإسنادهما ثنا بقية ثنا إسماعيل عن عطاء عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله .
أي بلفظ : ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رؤوسهم : رجل أم قوما وهم له كارهون ، وامرأة باتت وزوجها ساخط عليها ، ومملوك فر من مولاه .

وهذا الإسناد فيه عطاء بن عجلان الحنفي ، قال عنه الحافظ في التقريب : متروك بل أطلق عليه ابن معين والفلاس وغيرهما الكذب .

وكذلك في إسناده إسماعيل بن عياش الحمصي ، قال عنه الحافظ في التقريب : صدوق في روايته عن أهل بلده مُخَلِّط في غيرهم .

وفي هذا الإسناد يروي عن عطاء بن عجلان وهو بصري وليس شامي ، فلا تقبل منه هذه الرواية .

8 – عمرو بن الحارث بن المصطلق رضي الله عنه :
عن عمرو بن الحارث بن المصطلق قال : كان يقال أشد الناس عذابا يوم القيامة اثنان امرأة عصت زوجها وإمام قوم وهم له كارهون .

رواه الترمذي (359) .
وفي إسناده زياد بن أبي الجعد ، قال عنه الذهبي في الكاشف : وثق .
وقال الحافظ ابن حجر في التقريب : مقبول .

فهؤلاء الصحابة الذين رووا الحديث ، وهناك أيضا من التابعين من رووا الحديث :

1 – عطاء بن دينار الهذلي :
عن عطاء بن دينار الهذلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ثلاثة لا تقبل منهم صلاة ولا تصعد إلى السماء ولا تجاوز رؤوسهم : رجل أم قوما وهم له كارهون ، ورجل صلى على جنازة ولم يؤمر ، وإمرأة دعاها زوجها من الليل فأبت عليه .
رواه ابن خزيمة (3/11) .

قال الشيخ الألباني في تعليقه على صحيح ابن خزيمة (3/11ح1518) :
مرسل ، وانظر " موارد الظمآن " . قلت : والحديث صحيح دون الفقرة الوسطى .ا.هـ.
ورمز له الشيخ في صحيح الترغيب والترهيب (1/328ح485) : صـ لغيره . أي : صحيح لغيره .

2 – أبو مالك النخعي الدمشقي :
عن أبي مالك النخعي الدمشقي عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسخط لأبويه والمرأة تصلي بغير خمار والذي يؤم قوما وهم له كارهون لا يقبل لأحد منهم صلاة .

أورده ابن عبد البر في الاستيعاب (4/175) ، وقال : أبو مالك النخعي الدمشقي قيل إن له صحبة حديثه عند معاوية ابن صالح عن عبد الله بن دينار البهراني الحمصي عن أبي مالك النخعي عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسخط لأبويه والمرأة تصلي بغير خمار والذي يؤم قوما وهم له كارهون لا تقبل لواحد منهم صلاة والصحيح أن حديثه مرسل ولا صحبة له .

وقال العلائي في جامع التحصيل (ص390) :
رواه معاوية بن صالح عن عبد الله بن دينار البهراني الحمصي عنه ، وذكر بعضهم أن لأبي مالك هذا صحبة . قال أبو عمر بن عبد البر والصحيح أن حديثه مرسل ولا صحبة له .

وقال العراقي في تحفة التحصيل (ص372) :
وذكر بعضهم أن لأبي مالك هذا صحبة . وقال ابن عبد البر الصحيح ان حديثه مرسل ولا صحبة له .

وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة (12/42 –43) :
أبو مالك الدمشقي قال الحاكم أبو أحمد : قال البخاري : حديثه مرسل ، وكذا قال العسكري ، وقال بن مندة : ذكر في الصحابة ، ولا يثبت ، روى معاوية بن صالح عن عبد الله بن دينار عنه ، وذكره أبو عمر لكنه قال : النخعي ، وقال : إنه تابعي أرسل ، قيل : إن له صحبة والصحيح أن حديثه مرسل ، ولا صحبة له ، روى معاوية بن صالح ، عن عبد الله بن دينار عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : في المسخط لأبويه ، والذي يؤم قوما وهم له كارهون ، والمرأة تصلي بغير خمار لا تقبل لهم صلاة قلت ، وقد تقدم أبو مالك النخعي في القسم الأول ، وأن بن السكن ذكره ، وأخرج له حديثا ، وأنه صرح بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم فذهل أبو عمر عنه ، واقتصر على ذكر هذا أو ظنهما واحدا وهو بعيد لكن يظهر أنه آخر والله سبحانه وتعالى أعلم .ا.هـ.

وبعد إيراد هذه الأحاديث التي تبين ثبوت الحديث من عدة طرق ، وعن عدد من الصحابة ، نريد أن نقف مع كلام العلماء على هذا ن فبعد أن انتهينا من الحديث رواية ، نورد ما جاء فيه دراية .

كلام العلماء على الحديث :

- المعاني الشرعية للكراهة :
قد اتفق أصحاب الأئمة الأربعة بأنه يكره أن يؤم إمام قوما في الصلاة وهم له كارهون وذلك إن كرهوه لمعنى مذموما شرعا ومن ذلك :

قال النووي في المجموع (4/155) :
وإنما تكره إمامته إذا كرهوه لمعنى مذموما شرعا كوال ظالم وكمن تغلب على إمامة الصلاة ولا يستحقها أو لا يتصون من النجاسات أو يمحق هيئات الصلاة أو يتعاطى معيشة مذمومة أو يعاشر أهل الفسوق ونحوهم أو شبه ذلك ، فإن لم يكن شيء من ذلك فلا كراهة هكذا صرح به الخطابي والقاضي حسين والبغوي وغيرهم .ا.هـ.

وقال المناوي في فيض القدير (3/324) :
لما يذم شرعا كفسق وبدعة وتساهل في تحرز عن خبث وإخلال بهيئة من هيئات الصلاة وتعاطي حرفة مذمومة وعشرة نحو فسقة .ا.هـ.

فهذه بعض المعاني الشرعية لكراهة الإمام الذي يؤم الناس في الصلاة .
أما إن كانوا يكرهونه لأمر آخر غير شرعي فلا عبرة بكراهتهم له .

قال ابن قدامة في المغني (2/32) :
وإن كان ذا دين وسنة فكرهه القوم لذلك لم تكره إمامته .

وسئل شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى (1/127) وفي الفتاوى(23/373) :
في رجل يؤم قوما وأكثرهم له كارهون ؟
الجواب : إن كانوا يكرهون هذا الإمام لأمر في دينه مثل كذبه ، أو ظلمه ، أو جهله ، أو بدعته ونحو ذلك ، ويحبون الآخر لأنه أصلح في دينه منه مثل أن يكون أصدق ، وأعلم ، وأدين فإنه يجب أن يولى عليهم هذا الإمام الذي يحبونه وليس لذلك الإمام الذي يكرهونه أن يؤمهم كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم : رجل أم قوما وهم له كارهون ، ورجل لا يأتي الصلاة إلا دبارا ، ورجل اعتبد محررا . و الله أعلم .ا.هـ.

وجاء في الإنصاف للمرداوي (4/405) :
لو كانوا يكرهونه لشحناء بينهم في أمر دنيوي ونحوه … لو كانوا يكرهونه بغير حق كما لو كرهوه لدين أو سنة لم تكره إمامته على الصحيح من المذهب .ا.هـ.

والمذهب المقصود به مذهب الإمام أحمد – رحمه الله - .

وقال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع (4/354) :
وأفادنا قوله : " بحق " أنهم لو كرهوه بغير حق ، مثل : لو كرهوه لأنه يحرص على اتباع السنة في الصلاة فيقرأ بهم السور المستحبة المسنونة ، ويصلي بهم صلاة متأنية ، فإن إمامته فيهم لا تكره ، لأنهم كرهوه بغير حق فلا عبرة بكراهتهم … وينبغي له إذا كانوا يكرهونه بغير حق أن يعظهم ويذكرهم ويتألفهم ويصلي بهم حسب ما جاء في السنة ، وإذا علم الله من نيته صدق نية التأليف بينهم يسر الله له ذلك .ا.هـ.

وقد اعتبر بعض العلماء كراهة أهل الدين دون غيرهم .

قال الشوكاني في نيل الأوطار (3/217) :
والاعتبار بكراهة أهل الدين دون غيرهم حتى قال الغزالي في الإحياء : لو كان الأقل من أهل الدين يكرهونه فالنظر إليهم .

وبعض العلماء جعلوا الائتلاف والاجتماع للجماعة أمرا ضروري ، فلذلك إن حصلت الكراهة فتقديم تأليف جماعة المسجد أولى .

جاء في الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية من تأليف البعلي (ص106 – 107) :
وإذا كان بين الإمام والمأمومين معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء ، أو المذاهب ، لم ينبغ أن يؤمهم لأن المقصود بالصلاة جماعة الائتلاف ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ن فإن أمهم فقد أتى بواجب ومحرم يقاوم الصلاة فلم تقبل ن إذ الصلاة المقبولة ما يُثاب عليها .ا.هـ.

وقال الشيخ ابن عثيمين (4/354) :
لكن ظاهر الحديث الكراهة مطلقا وهذا أصح ، لأن الغرض من صلاة الجماعة هو الائتلاف والاجتماع وإذا كان هذا هو الغرض فمن المعلوم أنه لا ائتلاف ولا اجتماع إلى شخص مكروه عندهم .ا.هـ.

نسبة المأمومين الذين تقع بهم الكراهة :

لقد تكلم العلماء عن نسبة المأمومين الذين تقع بهم الكراهة وهو الأكثر .

قال الترمذي في جامعه (2/192) :
وقال أحمد وإسحاق في هذا : إذا كره واحد أو اثنان أو ثلاثة فلا بأس أن يصلي بهم ، حتى يكرهه أكثر القوم .ا.هـ.

وقال الإمام النووي في المجموع (4/155) :
فقال الشافعي وأصحابنا – رحمهم الله – يكره أن يؤم قوما وأكثرهم له كارهون ، ولا يكره إذا كرهه الأقل ، وكذا إذا كرهه نصفهم لا يكره صرح به صاحب الإبانة ، وأشار إليه البغوي .ا.هـ.

وقال في الإنصاف مع الشرح (4/404) :
مفهوم قوله : أكثرهم له كارهون ، أنه لو كرهه النصف ن لا يكره أن يؤمهم ، وهو المذهب . وقيل : يكره أيضا . قال المصنف – ابن قدامة – والشارح : فإن استوى الفريقان فالأولى أن لا يؤمهم إزالة لذلك الاختلاف .ا.هـ.

وقال الشوكاني في النيل (3/217) :
وقد قيد ذلك جماعة من أهل العلم بالكراهة الدينية لسبب شرعي فأما الكراهة لغير الدين فلا عبرة بها ، وقيدوه أيضا بأن يكون الكارهون أكثر المأمومين ، ولا اعتبار بكراهة الواحد ، والاثنين ، والثلاثة إذا كان المؤتمون جمعا كثيرا لا إذا كانوا اثنين أو ثلاثة فإن كراهتهم أو كراهة أكثرهم معتبرة .ا.هـ.

هذه هي أقوال أهل العلم في هذه المسألة .
انتهى ،،،

عبد الله زقيل
[email protected]