بسم الله الرحمن الرحيم

التمييز بين الأبناء في العطايا

 
السؤال:
أفتونا مأجورين في امرأة لها أبناء و لديها أموال ، و اقترض منها أحد بنيها مبلغاً من المال ليدخل به في أحد المشاريع التجارية ، و لكنه فشِل فشلاً ذريعاً ، و خسر كل ماله ، فهل عليها وزر إن لم تنحل سائر أبنائها مثل ما نحلت هذا الابن ؟
الجواب :
الحال المذكورة في السؤال ليست ممّا تجب فيه المساواة في العطيّة ، و ليس على الأمّ أن تمنح سائر أبنائها مثل ما أعطت أحَدَهم قَرضاً ؛ لأنّ الواجب المساواة بينهم في الهبة و حَسْب ، و لا يُقاس الدَينُ على الهبة في الحُكم ، لوجود الفارق بينهما .
و ما دام المبلغ المشار إليه قد قَبضَه الابن على سبيل الدَينْ ، فإنّه يبقى في ذمّته ، و يحب عليه ردّه إلى مُقرِضِه ( و هي أمّه ) عند التمكّن .
أمّا إن وَضَعت الأمّ الدَينَ عن وَلَدِها المَدين ، فتتحوّل المسألة إلى مسألةِ تخصيص أحد الأبناء بمنحة دون الآخرين ، أو تفضيلُ بعضٍ على بعضٍ فيها ، و هذا ممّا نهى عنه الشارع الحكيم ، و كرهه جمهور ( و هذا مذهب الحنفيّة و المالكيّة و الشافعيّة ) ، و حرّمه بعضهم ، لحديث النعمان بن بشير بن الحصاصية رضي الله عنهما قال : ‏أتى بي أبي إلى رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه و سلم ‏، ‏فقال إني ‏‏ نحلت ‏ ‏ابني هذا غلاماً فقال ‏‏: ( أكل بنيك ‏‏ نحلت ‏ ‏؟ ) قال : لا ، قال : ( فاردده ) [ رواه الستة و غيرهم بألفاظ متقاربة ] .
و الراجح عندنا أنّه مكروه ، و ليسَ حراماً ، لأنّه وَرَد في بعض روايات الحديث التي أخرجها أحمد في مسنده و أبو داود في سننه ، قوله عليه الصلاة و السلام : ( أشهد عليه غيري ) ، و لو كان محرّماً على القطع ، لما أرشَده إلى إشهاد غيره عليه .
جاء في عون المعبود بشرح سنن أبي داود : ( لو وهب بعضهم دون بعض فمذهب الشافعي و مالك و أبي حنيفة رحمهم الله أنه مكروه ، و ليس بحرام و الهبة صحيحة .
و قال أحمد و الثوري و إسحاق رحمهم الله و غيرهم : هو حرام ، واحتجوا بقوله : ( لا أشهد على جور ) ، و بقوله : ( و اعدلوا بين أولادكم ) ، و احتج الأوّلون بما جاء في رواية ( فأشهد على هذا غيري ) ، و لو كان حراماً أو باطلاً لما قال هذا ... فإن قيل : قاله تهديداً , قلنا : الأصل خلافه ; و يُحمَل عند الإطلاق صيغة فعل على الوجوب أو الندب , و إن تعذر ذلك فعلى الإباحة . و أما معنى الجور فليس فيه أنه حرام لأنه هو الميل عن الاستواء و الاعتدال ، و كل ما خرج عن الاعتدال فهو جور سواء كان حراما أو مكروها ذكره في المرقاة ) .
و بالله التوفيق ، و منه السداد ، و عليه الاتكّال .
و صلى الله و سلّم و بارك على نبيّنا محمّد و آله و صحبه أجمعين

كتبه
د . أحمد عبد الكريم نجيب
Dr.Ahmad Najeeb
alhaisam@msn.com