بسم الله الرحمن الرحيم

حقيقة الانتماء و الموقف من أصحاب الانتماءات المخالفة

 
الحمد لله و كفى و الصلاة و السلام على نبيّه المصطفى ، و آله و صحبه أجمعين و بعد :
فقد تلقّيت من بعض الإخوة المقيمين في الديار الإيرلنديّة عن رأيي في التسمي بالسلفية أو غيرها ، و قولي في الانتماء إلى إحدى الجماعات الإسلاميّة العاملة في الساحة كجماعة الإخوان المسلمين أو حزب التحرير أو غيرها ؟ أو الخروج مع جماعة التبليغ بقصد الدعوة إلى الله تعالى ؟ و رأيي في التعامل مع المنتسبين إلى بعضها في شيء من أمور الدنيا أو مجالستهم و بدئهم بالسلام ؟

فقلت مستعيناً بالله تعالى :
يسعنا في هذا الباب ما وسع سلفنا ، أهلَ السنّة و الجماعة فالتزموه و تواصو به ، و هو لزوم الجماعة , و هي ما كان عليه السلف الصالح ، و ربّما عرفوا بأهل السنّة أو أصحاب الحديث أو السلفيّون أو غير ذلك من المسمّيات إذ إنّ العبرة بالمقاصد و المعاني لا بالألفاظ و المباني كما نصّت القائدة المعروفة عند الفقهاء .
روى الآجري في ( الشريعة ) و اللالكائي في ( شرح أصول الاعتقاد ) بإسناد صحيح أن الإمام أبا بكر بن عيَّاش رحمه الله سُئل ( ت 191هـ ) : مَن السُنِّيُّ ؟ فقال : (( الذي إذا ذُكِرت الأهواء لم يتعصَّب لشيءٍ منها )) .
و لفظ الجماعة لغةً مشتق من الجَمْعِ و هو : تأليف المفترق (كما في القاموس المحيط و لسان العرب ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( في مجموع الفتاوى : 3 / 157 ) : (( الجماعة هي الاجتماع ، وضدها الفرقة ، و إن كان لفظ الجماعة قد صـار اسماً لنفس القـوم المجتمعين )) .
و اصطلاح أهل السنة و الجماعة ، مُقتبس من مجموع ما ورد في كتاب الله و سنة رسوله ، من الآيات ، و الأخبار الواردة في الحثّ على الاعتصام بالسنة ، و ملازمة الجماعة ، و النهي عن الابتداع و الفُرقة و الاختلاف في الدين .
فمن ذلك قوله سبحانه و تعالى : { و لا تتبعوا السبل فتفرَّق بكم عن سبيله } [ الأنعام : 153 ] .
و قوله : { أن أقيموا الدين و لا تتفرَّقوا فيه } [ الشورى : 13 ].
روى الطبراني بإسناد حسن في تفسيره عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في هاتين الآيتين قوله: (( أمر الله المؤمنين بالجماعة و نهاهم عن الاختلاف و الفرقة ، و أخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله )) .
أما الأخبار الواردة في هذا الباب فكثيرة جداً و منها :
قوله صلى الله عليه و سلّم في وصيته لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه التي رواها الشيخان :
(( تلزم جماعة المسلمين وإمامهم )) ، قال حذيفة : قُلتُ : فإن لم يكن لهم جماعـةٌ و لا إمـام ؟ فقال :
(( فاعتزل تلك الفرق كلَّها ، و لو أن تعضَّ بأصل شجرةٍ حتى يُدركك الموت ، وأنت على ذلك )) .
و روى الشيخان أيضاً من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه و سلّم قال :
(( ليس أحدٌ يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتةً جاهليَّةً )) .
و في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه المشهور ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلّم وعظهم موعظةً قال فيها :
(( عليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، و إياكم و مُحدثات الأمور فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعة ، و كلَّ بدعة ضلالة )) .
و لأهميَّة لزوم الجماعة ، و عظيم شأنها ، بوَّب الشيخان كلٌّ في صحيحه ، و النسائيُّ , و الترمذي ، كلٌّ في سننه ، على لزومها .
فقال البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب و السنة من صحيحه : باب قوله تعالى : { و كذلك جعلناكم أمَّةً وسَطاً } و ما أمر النبي صلى الله عليه و سلّم بلزوم الجماعة و هم أهل العلم .
و قال الإمام مسلم في كتاب الإمارة من صحيحه : باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ، و في كل حال ، و تحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة .
و عَنوَن النسائي في سننه : قتلُ من فارق الجماعة ، و ذِكرُ الاختلاف على زياد بن عِلاقة عن عَرْفَجَةَ فيه .
وعقد الترمذي في سننه باباً سمَّاه : باب ما جاء في لزوم الجماعة .
قلتُ : و الجماعة التي يجب على المسلم لزومها ، و يحرم الخروج عليها ، ويستحق الوعيد من فارقها ، هم أهل الحقِّ في كل عصرٍ و مِصرٍ ، و إن قَلُّوا .
قال أبو شامة المقدسي رحمه الله ( كما في شرح أصول الاعتقاد للالكائي و تاريخ دمشق لابن عساكر ) :
(( حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة ، فالمراد به لزوم الحق و اتِّباعه ، و إن كان المستمسك به قليلاً ، و المخالف كثيراً )) .
ثم استدل بقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : (( إن الجماعة ما وافق الحق ، و إن كنت وَحدَك )) .
و في ( تاريخ دمشق ) أيضاً أنّ نعيم بن حمَّاد رحمه الله قال : (( إذا فسدت الجماعة ، فعليك بما كانت عليه قبل أن تفسد ، و إن كنت وحدك ، فإنَّك الجماعة حينئذٍ )) .
و قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى في سننه ( 4 / 476 ) : (( و تفسير الجماعة عند أهل العلم هم أهل الفقه و العلم و الحديث )) .
و قول الترمذي هذا موافقٌ لما تقدّم معنا قبل قليلٍ قـول الإمام البخاريِّ رحمه الله في معنى الجماعة : هم أهل العلم .
و قال الشاطبي في ( الاعتصام 2 / 260 و ما بعدها ) : اختلف الناس في معنى الجماعة المرادة في الأحاديث على خمسة أقوالٍ :
أحدهـا : إنها السواد الأعظم من أهل الإسلام .
و الثاني : جماعة أئمة العلماء المجتهدين .
و الثالث : الصحابة على الخصوص .
و الرابع : جماعة أهل الإسلام إذا أجمعوا على أمر .
و الخامس : جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير .
و ذهب بعض المتأخرين كابن تيمية , و من وافقه إلى استعمال اصطلاح
( السلف الصالح ) كمرادف لاصطلاح ( أهل السنة ) ، و كثر في كلامهم ذكر عقيدة السلف ، و منهجهم ، و مذاهبهم ، و ما إلى ذلك مما يُراد به ما كان عليه أهل السنة و الجماعة رضوان الله عليهم أجمعين .
وإذا أطلق لفظ السلف الصالح أريد به غالباً من عاش إلى نهاية القرن الثالث الهجري ، و قد كان ابن تيمية رحمه الله يحدُّهم فيجعل آخرهم الإمام ابن جرير الطبري ، وابن المنذر ( كما في منهاج السنة : 6 / 52،53 و 7/ 13 ) .
و قال البربهاريُّ رحمه الله ( في السنّة 2 / 36 ) في تعريف الجماعة المذكورة في الأحاديث : (( هم جماعة الحق و أهله )) .
و مال إلى هذا الرأي الحافظ ابن كثير في ( النهاية ) ، و هو أولى الأقوال بالقبول فيما يظهر لي ، لكونه يشملها جميعاً ، و الله أعلم .
و بعدُ ، فيسعنا الآن - و قد بيَّنا المراد من اصطلاحي السنَّة ، و الجماعة كلٍّ على حدة - القول :
إنَّ اصطلاح أهل السنة و الجماعة يُطلق على أهل الحق ، في مُقابل أهل الضلال و البدع و الشقاق ، انطلاقاً من القول بأنَّ السنة تعني : (( ما كان عليه النبيُّ صلى الله عليه و سلّم و أصحابه اعتقاداً ، و اقتصاداً ، و قولاً ، و عملاً )) كما في ( مجموع الفتاوى : 19 / 306,307 ) .
و أوَّل ظهور للتسمية بأهل السنّة كان في عهد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين ، أواخر عهد الخلافة الراشدة .
روى مسلم في مقدّمة صحيحه محمد بن سيرين رحمه الله قال : (( لم يكونوا - أي الصحابة - يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة ، قالوا : سمُّوا لنا رجالكم ، فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم ، و يُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم )) .
و قد اشتهر إطلاق هذه التسمية على ما يُقابل الرافضة خاصةً ، حيث يكثر
أن يُقال : انقسمت الأمة إلى سُنة و شيعة ، إضافة إلى المعروف عند أهل العلم من إطلاقه على أهل السنة المحضة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( في منهاج السنّة 2 / 221 ) :
(( فلفظ السنة يراد به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة ، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلاَّ الرافضة . . . و قد يراد به أهل الحديث و السنة المحضة ، فلا يدخل فيه إلاَّ من أثبت الصفات لله تعالى ، و يقول إنَّ القرآن غير مخلوق )) . ثمّ ساق جملة من عقائد أهل السنة و الجماعة التي باينوا فيها أهل البدع .
و الذي يعنينا في هذا المقام هو الإطلاق الثاني ، و عليه يمكن تعريف أهل السنة و الجماعة بأنهم : (( الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح رحمهم الله ، عن الرسول صلى الله عليه و سلّم أو عن أصحابه رضوان الله عليهم ، فيما لم يثبت فيه نصٌّ في الكتاب ، و لا عن الرسول صلى الله عليه و سلّم )) ، كما قرره أبو نصر السجزي ( في الرد على من أنكر الحَرف , ص : 99 ) .
و لأهل السنة و الجماعة ألقابٌ أخرى يُعرفون بها فهُم الفرقة الناجية ، و الطائفة المنصورة الثابتة على الحق في زمن الغربة ، لا يضرُّها من خذلها ، حتى تلقى الله و هي كذلك ، و قد ثبت وصفهم بذلك عن نبينا الأمين عليه الصلاة و السلام في الصحيحين و غيرهما ، حيث بوَّب الشيخان ، كلٌ في صحيحه على الطائفة المنصورة .
فقال البخاريُّ ( كما أسلفنا ) في كتاب الاعتصام بالكتاب و السنة : باب قول النبي صلى الله عليه و سلّم : لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق ، و هم أهل العلم .
و في كتاب الإمارة من صحيح مسلم : باب قوله صلى الله عليه و سلّم : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرُّهم من خالفهم .
و في الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلّم قال :
(( لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله ، لا يضرُّهم من خذلهم ، و لا من خالفهم ، حتى يأتي أمر الله و هم كذلك )) .
و عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، أنَّ رسول الله صلى الله عليه و سلّم قال :
(( تفترق أمتي على ثلاثٍ و سبعين ملَّة ، كلُّهم في النار إلاَّ ملَّة واحدةٌ )) ، قالوا : و من هي يا رسول الله ؟ قال : (( ما أنا عليه و أصحابي )) ، أخرجه الترمذي و غيره بإسناد حسن .
قال ابن كثير رحمه الله ( في تفسيره : 4 / 433 ) : (( هم أهل السنة و الجماعة المتمسكون بكتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلّم ، و بما كان عليه الصدر الأول من الصحابة و التابعين ، وأئمة المسلمين )) .
و لمَّا كان أهل الحديث خاصةً أثبت الناس على السنة ، و أكثرهم تمسكاً و اعتصاماً بما كان عليه النبي صلّى الله عليه و سلّم و صحابته الكرام ، ذهب غير واحدٍ من أهل العلم و التحقيق إلى الجزم بأن أهل السنة و الجماعة ، و الطائفة المنصورة ، هم أهل الحديث و الأثر .
أخرج الخطيب ( في شرف أصحاب الحديث , ص : 26 ) أنّ عبد الله بن المبارك رحمه الله قال : (( هم عندي أصحاب الحديث )) .
و في ( ص : 25 و 27 منه أيضاً ) روى عن الإمام أحمد رحمه الله قوله : (( إن لم يكونوا أصحاب الحديث ، فلا أدري من هم )) .
و قال الإمام الترمذي رحمه الله في كتاب الفتن من سننه : سمعت محمد بن إسماعيل – يريد البخاري - يقول : سمعت علي بن المديني يقول ، وذكر هذا الحديث عن النبي : (( لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق )) : هم أهل الحديث .اهـ .
و ذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله ( في الغنية : 1 / 71 ) ، أنه ليس لأهل السنة إلا اسم واحدٌ يُعرفون به ، و هو أصحاب الحديث .
و رُوي مثل هذا عن غير واحدٍ من السلف رحمهم الله ، ورضي عنهم .
و إنَّما حاز أهل الحديث هذا الشرف العظيم ، لكونهم جمعوا بين الرواية والدراية ، إلى جانب العمل بما جاء في الأثر ، عن خير البشر عليه الصلاة و السلام ، و اعتقاد ما أرشد إليه .
أمّا من خالفت روايته عقيدته و منهجه و عمله فلا يسلم من الابتداع ، و في هذا السياق جاء قول أبي عمرو بن الصلاح رحمه الله ( كما في الفتاوى و المسائل , ص : 213 ) : (( قد يكون الإنسان من أهل الحديث و هو مبتدع )) .
و قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( في مجموع الفتاوى : 4 / 95 ) :
(( و نحن لا نعني بأهل الحديث ، المقتصرين على سماعه ، أو كتابته ، أو روايته ، بل نعني بهم كلَّ من كان أحقَّ بحفظه ، و معرفته ، و فهمه ، ظاهراً ، وباطناً واتباعه باطناً ، و ظاهراً ، و كذلك أهل القرآن ، و أدنى خصلة في هؤلاء محبة القرآن و الحديث ، و البحث عنهما ، و عن معانيهما ، و العمل بما علموه من موجَبهما )) .
و قد سمي أهل السنة ِ أهلَ الحديث ، لأنهم حفظته ، و نقلته ، و حَمَلته . قال اللالكائي ( في شرح أصول الاعتقاد : 1 / 22 ) :
(( لم نجد في كتاب الله و سنة رسوله ، و آثار صحابته ، إلا الحثَّ على الاتباع ، و ذم التكلف و الاختراع ، فمن اقتصر على هذه الآثار كان من المتبعين و كان أولاهم بهذا الوسم ، و أخصهم بهذا الرسم أصحاب الحديث ، لاختصاصهم برسول الله صلى الله عليه و سلّم , و اتباعهم لقوله ، و طول ملازمتهم له ، و تحملـهم علمه )) .
و الفرق التي تزعم الانتساب إلى أهل السنة و الجماعة ، و تدعي الاعتصام بخير الهديِ ، هديِ محمد صلى الله عليه و سلّم في أصول الدين و فروعه ، كثيرة جداً ، (( غير أن الله أبى أن يكون الحق و العقيدة الصحيحة إلا مع أهل الحديث و الآثار ، لأنهم أخذوا دينهم و عقائدهم ، خلفاً عن سلف ، و قرناً عن قرن ، إلى أن انتهوا إلى التابعين ، و أخذه التابعون عن أصحاب رسول الله عليه الصلاة و السلام عن رسول الله صلى الله عليه و سلّم ، و لا طريق إلى معرفة ما دعا إليه رسول الله الناس من الدين القويم ، و الصراط المستقيم ، إلاَّ هذا الطريق الذي سلكه أصحاب الحديث ، أمَّا سائر الفرق ، فطلبوا الحديث لا بطريقه فحادوا عن الحق ، و زاغـوا عنه )) ، كما قرر ذلك الأصفهاني ( في الحجة في بيان المحجّة : 2 / 22 و ما بعدها ) .
و بعد هذا العرض المسهب لبيان أهل الحق أرى من المناسب أن أردفه بجملة من المسائل تعميماً للفائدة ، و تقريراً لما أدين الله تعالى به ، و ما كنت لأخالف في شيء من ذلك منهج أهل السنّة و الجماعة أو أخالف أهل العلم أتباع الكتاب و السنّة على فهم السلف من أهل العلم المعاصرين الأجلاء .
المسألة الأولى : حول تسمية أهل الحق ، فقد عرفوا منذ عصر صدر الإسلام زمن الخلفاء الراشدين بأهل السنّة ثم احتيج لتحديد المراد بهذا الوصف بعد أن زعم بعض المبتدعة الانتساب إلى السنّة ، فقيل هم أهل العلم ، و قيل هم أهل الحديث ، و قيل هم الجماعة ، و قيل غير ذلك و كل ذلك حقّ لا مرية فيه إذ إنّ العبرة بالمنهج و ليس بالمسمّيات .
و في العصر الحديث قال محدث الديار الشاميّة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله[ في إجابته على سؤالي له عن التسمّي بالسلفيّة ] : ( لما صار أهل البدع ينسبون أنفسهم إلى السنة ، و صار من أدعيائها الأشاعرة و الماتريديّة و كثير من الصوفيّة اضطُرَّ أهل الحق إلى تمييز أنفسهم فانتسبوا إلى السلفيّة و قالوا نحن سلفيّون ) و قال : رحمه الله في مقام آخر : إن اصطلاح السلفيّة جاء بديلاً عن اسم أهل السنّة و الجماعة المتمسكين بالكتاب و السنّة على فهم السلف الصالح ، بمعنى أنّه اختصار لهذه العبارة الطويلة .
و كلام الشيخ في هذا المجال كثيرٌ مشهور ، و له ما يبرره ، فهو كلامٌ وجيه ، غير أنّي لا أعلم أحداً سبق الشيخ ناصر في الدعوة للتسمّي بالسلفيّة ، و الذي أعرفه عن علماء نجد كالشيخين عبد العزيز بن باز و محمد بن صالح العثيمين رحمهما الله ، أنّهما لا يرون بأساً بالتسمي بالسلفيّة ، و لا يأمرون به و لا ينهون عنه ، و لا يفضلونه على التسمّي بمذهب أهل السنّة و الجماعة ، بل ذهبوا أبعد من ذلك في التأكيد على أن لا عبرة للتسميات المحدثة ، بل العبرة بما تصدق عليه هذه التسميات ، فإن كان المراد منها الحق فالحق أحق أن يُتّبَع ، و إن لم تكن الأسماء سائغة عند المخالفين .
و من هذا المنطلق لم يستنكر الشيخ ابن باز رحمه الله تسمية أتباع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهّاب ( السلفيّة ) بالوهّابيّة و لم ير غضاضةً في ذلك ، بل اعتبر لقب الوهّأبية لقباً شريفاً عظيماً إذا أُطلِق على أهل التوحيد الخالص , فقال بعد أن أثنى على الشيخ محمد بن عبد الوهّاب و عرّف بدعوته : ( فصارت دعوته تجديدية إسلامية عظيمة ، نفع الله بها المسلمين في الجزيرة العربية وفي غيرها رحمه الله رحمة واسعة ، و صار أتباعه و من دعا بدعوته و نشأ على هذه الدعوة في نجد يسمى بالوهابي ، و كان هذا اللقب علما لكل من دعا إلى توحيد الله ، و نهى عن الشرك و عن التعلق بأهل القبور، أو التعلق بالأشجار و الأحجار، و أمر بالإخلاص لله وحده و سمي وهابيا، فهو لقب شريف عظيم يدل على أن من لقب به فهو من أهل التوحيد ، و من أهل الإخلاص لله ، و ممن ينهى عن الشرك بالله ، و عن عبادة القبور و الأشجار و الأحجار والأصنام و الأوثان , هذا هو أصل هذه التسمية و هذا اللقب ، هو نسبة إلى الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي الحنبلي الداعي إلى الله عز و جل رحمه الله رحمة واسعة ) .
و هذه الفتوى معروفة مشهورة منشورة ، و هي مثبتتة على الرابط التالي في شبكة المعلومات الدولية ( الانترنت ) التالي :
http://www.ibnbaz.org/Display.Asp?f=nor00007.htm&print=on
و كما أسلفت فإن الشيخ رحمه الله لا يوصي بالتسمي بالانتساب إلى السلفيّة ، و لا ينهى عنه عند ذكر المنتسبين إلى السلف الصالح ، و من الانصاف أن أورد مثالاً على ذكره للسلفيين في معرض الثناء ، حيث وُجّه إليه السؤال التالي :
كثرت الطوائف و الفرق التي تزعم أنها هي الطائفة المنصورة ، و اشتبه على كثير من الناس الأمر ، فماذا نفعل خاصة أن هناك فرقا تنتسب للإسلام كالصوفية و السلفية و نحو ذلك من الفرق فكيف نميز بارك الله فيكم ؟
فأجاب قائلاً : ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة- يعني كلها في النار إلا واحدة وهم أتباع موسى- وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة- والمعنى أن كلها في النار إلا واحدة وهم التابعون لعيسى عليه السلام- قال وستفترق هذه الأمة- يعني أمة محمد عليه الصلاة والسلام- على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قيل : يا رسول ال له ، من هي الفرقة الناجية ؟ قال : " الجماعة " و في لفظ : ما أنا عليه وأصحابي .
هذه هي الفرقة الناجية ، الذين اجتمعوا على الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم و استقاموا عليه ، و ساروا على نهج الرسول صلى الله عليه و سلم و نهج أصحابه ، و هم أهل السنة و الجماعة ، و هم أهل الحديث الشريف السلفيون الذين تابعوا السلف الصالح ، و ساروا على نهجهم في العمل بالقرآن و السنة ، و كل فرقة تخالفهم فهي متوعدة بالنار .اهـ .
و هذه الفتوى مثبتتة على الرابط التالي في شبكة المعلومات الدولية ( الانترنت ) :
http://www.binbaz.org.sa/Display.asp?f=nor00004

قلتُ : لا أحسبني أجانب الصواب أو أخالف الحق إذا آثرت الانتساب إلى أهل السنة و الجماعة ، فلم أزد في التعريف بنفسي على أن أقول : مسلمٌ سنّي و كفى .
مع أني أعذر من آثر التسمية بالسلفي أو الأثري أو الانتساب إلى السلفيّة أو الأثريّة أو أهل الحديث إذا رأى في ذلك مصلحة شرعيّةً ، و أرانا على الجادّة ذاتها التي درج عليها أهل السنة و الجماعة ، و سار عليها السلف الصالح ، و إن اختلفنا في التسمية أو فيما يسوغ فيه الخلاف من مسائل الفروع .
و ممّا يحفزني للتمسّك بالأصل أنّ مبرر التسمي بالسلفيّة الذي ذكره العلاّمة الألباني ، قد تكرر وجوده في المنتسبين إلى السلفيّة اليوم ، فكما أن المنتسبين إلى أهل السنّة دخل فيهم بعض أهل البدع ، فقد ادّعى السلفيّة اليوم بعض من خالف منهج السلف ، و آخر من انتسب إلى السلفيّة و أُنكر عليه أتباع محمود الحدّاد ، نزيل المدينة النبويّة – سابقاً – الذي ردّ عليه العلماء الأفذاذ ، و في صدارتهم فضيلة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله و رعاه ، و ان شئت الاستزادة و التثبت من ذلك فارجع إلى الرابط التالي على الشبكة :
http://www.sahab.net/page/article.php?sid=123
و الخلاصة عندي أنّه إذا سُوّغ الانتساب إلى السلفيّة كبديل أو مرادف للنسبة لأهل السنّة و الجماعة بسبب ادّعاء الأدعياء أنّهم من أهل السُنّة ، فإن في ادّعاء آخرين للسلفيّة مع خروجهم ( من أو على ) منهج السلف في التبديع و قواعده ، مسوّغ للعودة إلى التسمية الأم ، و الانتساب إلى السنّة و الجماعة ، و حَسْب .
المسألة الثانية : فيما يتعلّق بالأحزاب و الجماعات الإسلامية ، فأقول :
أمّا الأحزاب و الجماعات الإسلاميّة العاملة في الساحة ، فرأيي فيها معروف ، إذ إنني دَأَبتُ على الدعوة إلى التعاون الشرعي بديلاً عن التعصّب الحزبي ، و حذّرتُ و أحذّر نفسي و إخواني من الأحزاب و التحزب و التحزيب ، و التعصب و الموالاة و المعاداة على الأسس الحزبية ، و في أُطُرٍ جماعيّة فاسدة ما أنزل الله بها من سلطان ، و ما فتئت أقرر ذلك و أدعو إليه في كتاباتي و مقالاتي و خطبي ، و آخر ذلك خطبة الجمعة الملقاة في مسجد دَبلِن في إيرلندا بتاريخ الخامس عشر من شهر الله المحرم عام 1423للهجرة ، بعنوان : ( واجب الآباء نحو الأبناء في الغرب ) و المثبتتة على الرابط التالي في شبكة المعلومات الدولية ( الانترنت ) التالي : هنا
و التزاماً بما ارتضيت و انتهجت من إجلال أهل العلم و احترام آرائهم ، و الردّ إليهم فيما يعرض للمسلمين من نوازل و مسائل ، فإنني أثبت هنا رأي سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في حكم الانتماء إلى الجماعات الإسلاميّة ، حيث سُئِل عن حكم الانتماء للجماعات الإسلامية ، و الالتزام بمنهج جماعة معينة دون سواها ؟
فأجاب رحمه الله بقوله : الواجب على كل إنسان أن يلتزم بالحق ، قال الله عز وجل ، و قال رسوله صلى الله عليه و سلم ، و ألا يلتزم بمنهج أي جماعة لا إخوان مسلمين و لا أنصار سنة و لا غيرهم ، و لكن يلتزم بالحق ، و إذا انتسب إلى أنصار السنة و ساعدهم في الحق ، أو إلى الإخوان المسلمين و وافقهم على الحق من دون غلو و لا تفريط فلا بأس ، أما أن يلزم قولهم و لا يحيد عنه فهذا لا يجوز ، وعليه أن يدور مع الحق حيث دار ، إن كان الحق مع الإخوان المسلمين أخذ به ، و إن كان مع أنصار السنة أخذ به ، و إن كان مع غيرهم أخذ به ، يدور مع الحق ، يعين الجماعات الأخرى في الحق ، و لكن لا يلتزم بمذهب معين لا يحيد عنه و لو كان باطلا ، و لو كان غلطا ، فهذا منكر ، وهذا لا يجوز ، ولكن مع الجماعة في كل حق ، وليس معهم فيما أخطئوا فيه .اهـ .
و هذه الفتوى مثبتة في الجزء الثامن من مجموع فتاوى و مقالات متنوعة ، للشيخ ، و هي مثبتتة على الرابط التالي في شبكة المعلومات الدولية ( الانترنت ) التالي :
http://www.binbaz.org.sa/Display.asp?f=Bz01530.htm&print=on
و من الجلي في هذه الفتوى أنّ الشيخ رحمه الله تعالى يفرّق في الحكم بين منتسبٍ إلى جماعة ما لمساعدتهم على الحق بدون غلو أو تفريط أو تعصب فهذا ممّا لا بأس به عنده .
أما الذي ينتسب إلى جماعةٍ ما عن تعصّب يجعله يلتزم مذهباً لا يحيد عنه و لو كان باطلاً أو غَلَطاً ، فهذا منكرٌ لا يجوز .
و من المناسب هنا أن نثبت نصيحة الشيخ رحمه الله لأعضاء هذه الجماعات حيث سُئل ( كما في المجلّد الخامس من مجموع فتاواه و مقالاته المتنوعة ) بم ينصح الشباب داخل هذه الجماعات ؟
فأجاب قائلاً : أن يترسموا طريق الحق و يطلبوه ، و أن يسألوا أهل العلم فيما أشكل عليهم ، و أن يتعاونوا مع الجماعات فيما ينفع المسلمين بالأدلة الشرعية ، لا بالعنف و لا بالسخرية ، و لكن بالكلمة الطيبة و الأسلوب الحسن و أن يكون السلف الصالح قدوتهم ، و الحق دليلهم ، و أن يهتموا بالعقيدة الصحيحة التي سار عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم و صحابته رضي الله عنهم .اهـ .
و هذه الفتوى منشورة على الرابط التالي في شبكة المعلومات الدولية ( الانترنت ) :
http://www.binbaz.org.sa/Display.asp?f=Bz00864.htm&print=on

أمّا المسألة الثالثة و الأخيرة في هذا المقام ، فعن التعامل مع المخالف ( و خاصّة المنتسبين أو المنسوبين إلى الجماعات و الأحزاب و المحسوبين عليها ) سواء منهم ذي البدعة الظاهرة التي يُجاهر بها ، أو من لم تظهر منه بدعة و لكن شُكّ في أمره بسبب صحبته و بطانته ، فأقول :
فقد قرّرت في رسالةٍ سابقةٍ لي كتبتها و نشرتها قبل أكثر من عشر سنين حول هجر المبتدعة مقرّراً أن هذا الهجر من أصول منهج أهل السنّة و الجماعة في التعامل مع المبتدع ، و لكن الأمر ليس على إطلاقه ، فلا يهجر المسلم لمجرد وقوعه في البدعة ، إذ إن البدعة لا تقع على من وقع فيها مطلقاً , بل لا بدّ من التفصيل و التبيين .
كما أنّه يرجع في باب الهجر إلى مراعاة المصالح و المفاسد ، فقد يعامل المبتدع بشدّة تفوق معاملة الكافر أحياناً ، إذا غلب على الظنّ إن في الغلظة عليه ردعٌ له عن بدعته ، تردّه إلى جادّة الصواب ، أمّا إن كان الهجر عديم الجدوى أو يؤدّي إلى مفسدةٍ أكبر فالأولى عدمه ، بل يعدل عن الهجر إلى ما قد يكون أبلغ في الزجر ، كالمناصحة و المحاجّة و المجادلة بالتي هي أحسن .
و بالجملة فإن أحكام الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يُمكن أن تُنَزّل على مسألة الزجر بالهجر ، و يراعى هنا ما يراعى هناك من المصالح و جلبها ، و المفاسد و درئها .
و تفصيل هذه المسألة هو موضوع الحلقة الرابعة من الدراسات المنهجيّة التي نشرتها بعنوان : الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر : ضوابط و أحكام في مواجهة أهل الحوادث و البدع ، و هو مطبوعٌ و ينشر على الشبكة قريباً إن شاء الله .
غير أنّ ما لا يُقبل تأخير بيانه في هذا المقام هو ما سبق لي نشره على الرابط التالي في شبكة المعلومات الدولية ( الانترنت ) التالي : هنا
و هو عن وجوب العدل في الحكم على المبتدعة ، و ما يترتب على ذلك من الموالاة و المعاداة ، حيث أمرنا الله تعالى بالعدل فقال سبحانه : ( يا أيّها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط و لا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) [ المائدة : 8 ] .
و إذا كنّا عادلين في باب البراءة من المبتدعة و بغضهم و مباينتهم ، فلا بد أن يكون ذلك بحسب البدعة المتَلبَّس بها ، مع موالاتهم و محبتهم لما فيهم من الخير و البر من جهات أخرى ، هذا في حال كون البدعة غير مكفّرة ، و غير منافيةٍ لأصول أهل السنّة و الجماعة المتفق عليها ، فيكون ( الحب و البغض بحسب ما فيهم من خصال الخير و الشر ، فإنّ العبد يجتمع فيه سبب الولاية و سبب العداوة ، و الحب و البغض ، فيكون محبوباً من وجه ، و مبغوضاً من وجه ، و الحكم للغالب )
[ شرح العقيدة الطحاويّة ، لابن أبي العز الحنفي ، ص : 434 ] .
و هذا مقتضى العدل ، و قد قرره شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله في قوله: ( إذا اجتمع في الرجل الواحد خير و شر ، و فجور و طاعة و معصية ، سنة و بدعة ، استحق من الموالاة بقدر ما فيه من الخير ، و استحق من المعاداة بقدر ما فيه من الشر ، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام و الإهانة ، فيجتمع له من هذا و من هذا ، كاللص الفقير نقطع يده لسرقته ، و يُعطى من بيت المال ما يكفي حاجته ، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنّة و الجماعة ) .
[ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية : 28/209 ].
و بناءً على ما تقدم ممّا هو مقرّر عند أهل السنة و الجماعة ، و هو ما أدين الله تعالى به أقول :
إنّ أهل البدع ليسوا على درجةٍ واحدةٍ ، ففيهم المبتدع الكافر ببدعته ، و فيهم الفاسق بتلبسه بها ، و فيهم الداعية إليها ، و غير الداعية ، و فيهم المعذور بجهله أو اجتهاده ، و غير المعذور شأنهم في ذلك شأن أهل الإيمان عند من قال إنّه يزيد بالطاعة و ينقص بالعصيان [ و هو مذهب جمهور أهل السنة خلافاً للحنفيّة . انظر : شرح الطحاويّة ، ص : 335 و ما بعدها ]
فلا بد أن يُنزل كلّ إنسان منزلته ، و يُحلَّ محلَّه ، و يأخذ حقّه من المعاملة ولاءً و براءً .
و هذا العموم في التعامل مع المخالفين لا بُدّ من تخصيصه إذا أريد تنزيله على الواقع المعاصر أو أعضاء و أتباع الأحزاب و الجماعات الإسلاميّة المعاصرة , و خير من تناول هذا الموضوع فشفى و وفى هو سماحة الشيخ العلاّمة عبد العزيز بن باز رحمه الله ، و من رسائله الكثيرة الوفيرة ، و فتاواه المنيرة التي يسدي فيها نصحه لأتباع الجماعات و الأحزاب ، و يوجّه إلى الآخرين إلى معاملتهم وفق الشريعة الغراء ، أقتطف الرسالة التالية وهي منشورة في الجزء السابع من ( مجموع فتاوى و مقالات متنوعة ، للشيخ رحمه الله ) ، و معروضة على الرابط التالي في شبكة المعلومات الدولية ( الانترنت ) :
http://www.ibnbaz.org/Display.asp?f=Bz01275.htm
و هي عبارة عن سؤال و جواب فيما يلي نصّهما :
السؤال : تعلم يا سماحة الشيخ ما حل في الساحة من فتن فأصبح هناك جماعات مثل جماعة التبليغ و جماعة الإخوان و السلفية و غيرهم من الجماعات و كل جماعة تقول : إنها هي التي على صواب في اتباع السنة من هم الذين على صواب من هذه الجماعات ومن نتبع منهم ؟ ونرجو منك أن تسميهم بأسمائهم ؟
الجواب : الجماعة التي يجب اتباعها والسير على منهاجها هم أهل الصراط المستقيم ، هم أتباع النبي و هم أتباع الكتاب و السنة الذين يدعون إلى كتاب الله وسنة رسوله قولا وعملا ، أما الجماعات الأخرى فلا تتبع منها أحدا إلا فيما وافقت فيه الحق . سواء كانت جماعة الإخوان المسلمين أو جماعة التبليغ أو أنصار السنة أو من يقولون إنهم السلفيون أو الجماعة الإسلامية أو من تسمي نفسها بجماعة أهل الحديث و أي فرقة تسمي نفسها بأي شيء فإنهم يطاعون و يتبعون في الحق و الحق ما قام عليه الدليل و ما خالف الدليل يرد عليهم و يقال لهم : قد أخطأتم في هذا ، فالواجب موافقتهم فيما يوافق الآية الكريمة أو الحديث الشريف أو إجماع سلف الأمة .
أما ما خالفوا فيه الحق فإنه يرد عليهم فيه فيقول لهم أهل العلم : قولكم كذا و فعلكم كذا خلاف الحق- هذا يقوله لهم أهل العلم فهم الذين يبصرون الجماعات الإسلامية . فأهل العلم العالمون بالكتاب و السنة الذين تفقهوا في الدين من طريق الكتاب و السنة ، هم الذين يعرفون تفاصيل هذه الجماعات و هذه الجماعات عندها حق و باطل فهي ليست معصومة و كل واحد غير معصوم و لكن الحق ما قام عليه الدليل من كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو إجماع سلف الأمة سواء من هذه الجماعات أو من الحنابلة أو الشافعية أو المالكية أو الظاهرية أو الحنفية أو غيرهم - فما قام عليه الدليل فهو الحق و ما خالف الدليل من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الإجماع القطعي يكون خطأ و أما الذين يدعون إلى غير كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فهؤلاء لا يتبعون و لا يقلدون ، إنما يطاع و يتبع من دعا إلى كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم و أصاب الحق فإذا أخطأ فإنه يقال له : أحسنت إذا أحسن و أخطأت إذا أخطأ و يتبع في الصواب ، و يدعي له بالتوفيق ، و إذا أخطأ يقال له أخطأت في كذا و خالفت الدليل الفلاني و الواجب عليك التوبة إلى الله و الرجوع إلى الحق - هذا يقوله أهل العلم و أهل البصيرة - أما العامي فليس من أهل العلم و إنما العلماء هم العلماء بالكتاب و السنة المعروفون الذين يتبعون الكتاب و السنة فعلى العامي أن يسأل هؤلاء الذين عرفوا الكتاب و السنة عما أشكل عليه مثل أن يسألهم ما تقولون في دعوة فلان الذي يقول كذا و يقول كذا حتى يتبصر و يعرف الحق كما قال الله سبحانه : فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ و هم أهل العلم بكتاب الله و سنة رسوله أما أهل البدعة فليسوا من أهل الذكر ، والدعاة إلى البدعة ليسوا من أهل الذكر أيضا . و الله ولي التوفيق و صلى الله وسلم على نبينا محمد و آله و صحبه .اهـ .
قلت : فالواجب إذن مناصحة القوم و محاججتهم ، و عدم مجاملة أحدٍ منهم أياً كان بالسكوت على خطئه ، أو عدم إنكاره عليه ، و دعوته إلى التوبة منه ، و هذا واجب كفائي على أهل العلم و الفضل ، كما قال الشيخ ( هذا يقوله أهل العلم و أهل البصيرة- أما العامي فليس من أهل العلم و إنما العلماء هم العلماء بالكتاب و السنة المعروفون الذين يتبعون الكتاب و السنة ) .
و إنني إذ أعذر قوماً ذهبوا إلى الهجر مُطلقاً ، مرجحين أن في المخالطة أو السلام على الحزبيين ( على تنوّعهم ) أو من يُظَنّ أنّهم كذلك ردعاً و زجراً لهم ، و سلامة للهاجر من موت القلب أو استمراء البدع أو تبلّد الإحساس تجاه البدع و أهلها .
فإنني أنظر إلى المسألة على أنّها مما تدخل فيه مراعاة المصالح و المفاسد ، إضافة إلى مشروعيّة الخلاف في الحكم على الأشخاص الذين لمّا تُقم عليهم الحجّة بعد ، أو لا يجاهرون بما يخالف الحق .
هذا ما أدين الله به ، فإن أصبت فمن الله ، و إن أخطأت فمن نفسي و من الشيطان ، و أفوّض أمري إلى الله ، إنّ الله بصيرٌ بالعباد .
و الحمد لله ربّ العالمين
و صلّى الله و سلّم على نبيّه الأمين , و آله و صحبه أجمعين

كتبه
د . أحمد عبد الكريم نجيب
Dr.Ahmad Najeeb

alhaisam@msn.com